أحمد منصور يكتب: مقتل سليماني .. هكذا انهارت اتفاقات الشرف

هيئة التحرير7 يناير 2020آخر تحديث : منذ 10 أشهر
أحمد منصور يكتب: مقتل سليماني .. هكذا انهارت اتفاقات الشرف
رابط مختصر
أحمد منصور يكتب: مقتل سليماني .. هكذا انهارت اتفاقات الشرف
شاركنا على:
أحمد منصور يكتب: مقتل سليماني .. هكذا انهارت اتفاقات الشرف

لاشك أن مقتل قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني شكل ضربة قاصمة لطهران ويعتبر أكبر تصعيد مباشر بين أمريكا وإيران منذ احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية في طهران عام ١٩٧٩، وهو نفس العام الذي وصل فيه آية الله الخميني من باريس إلى طهران في طائرة خاصة ليس كزائر وإنما كحاكم بعدما ضحت الولايات المتحدة بشرطيها في الخليج آنذاك محمد رضا بهلوي، وأنهت النظام الأمبراطوري في إيران ليحل محله نظام الملالي، وإذا نظرنا بعمق إلى العلاقات بين البلدين أمريكا وإيران طيلة الأربعين عاماً الماضية نجدها كانت أجواء حرب باردة في بعض الأحيان وتعاون خفي غير معلن في أوقات كثيرة.

فطوال سنوات الحرب العراقية الإيرانية التي امتدت بين عامي ١٩٨٠ و١٩٨٨  كانت الولايات المتحدة تدعم إيران وصدام حسين بالسلاح في وقت واحد وفضيحة إيران ـ كونترا التاريخية التي أبرمها نائب الرئيس الأمريكي آنذاك جورج بوش الأب مع رئيس الوزراء الإيراني أبو الحسن بني صدر في باريس ونصت على أن تقوم الولايات المتحدة بتزويد إيران بأسلحة نوعية في حربها مع العراق من أبرزها  ٣٠٠٠  صاروخ تاو مضاد للدروع وتم اختيار تاجر السلاح السعودي الشهير عدنان خاشقجي ليكون الوسيط في الصفقة هي خير دليل علي ذلك.

وقد ظلت الولايات المتحدة تزود إيران بالسلاح رغم أن إيران رسمياً وشعبياً كانت تسمي أمريكا «الشيطان الأكبر» لكن «الشيطان الأكبر» كان في حقيقته الممول الأكبر بالسلاح ، وبعد انتهاء الحرب العراقية الأيرانية ١٩٨٨ تعاونت طهران مع «الشيطان الأكبر» ضد صدام حسين بعد عامين فقط في العام ١٩٩٠، حينما قام بغزو العراق وامتد بعدها حصار أمريكا وحربها ضد صدام حتى تم إسقاطه واحتلال العراق في العام ٢٠٠٣، حيث قام بول بريمر الحاكم الأمريكي للعراق بتسليم حكم العراق لأنصار إيران على طبق من ذهب.

وأصبحت بغداد ملعباً مفتوحاً لطهران التي امتد نفوذها ليصل إلى كامل العراق لأول مرة منذ قرون، لكن قبل ذلك وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر تعاونت إيران مع «الشيطان الأكبر»  في حرب أمريكا ضد نظام طالبان، حيث كانت الطائرات الأمريكية تستخدم الأجواء الإيرانية في ضرب أفغانستان وتشير مصادر عديدة إلى أن طهران سلمت الكثير من قادة طالبان الذين لجؤوا إليها إلى الولايات المتحدة، وكثير ممن كانوا في سجن غوانتاموا الشهير قبض عليهم في إيران.

ومع قرار ترامب بخروج أغلب القوات الأمريكية من العراق أصبحت الهيمنة الإيرانية كاملة على الأوضاع والقرار في العراق، وكانت هناك اتفاقيات مكتوبة أو غير مكتوبة «اتفاقات شرف» كما توصف بين أمريكا وإيران

تقوم على ألا يتعرض أي من الطرفين للآخر عسكرياً، حيث احتلت الميليشيا التي أسستها ورعتها طهران في العراق كل المعسكرات التي أخلتها القوات الأمريكية، ثم امتد نفوذ طهران ليصل إلى سوريا واليمن فأصبحت هناك أربع دول عربية باتفاق أو صمت أو رضا أمريكي  تمثل عمقاً استراتيجياً واضحاً لإيران في قلب العالم العربي.

وكانت «اتفاقات الشرف» بين الطرفين تشمل جوانب عديدة حتى أن الحرب على داعش كما تقول كريستين فونتين روز مسؤولة العلاقات مع الخليج السابقة في مجلس الأمن القومي الأمريكي في عهد ترامب في حديث أدلت به يوم الجمعة الماضي لصحيفة الجارديان البريطانية «لقد كان لنا اتفاق شرف مع قاسم سليماني حينما كنا ننفذ عمليات ضد داعش بأن قواته لن تستهدفنا ونحن لن نستهدف قواته» وأعتقد أن اتفاقاً على هذا المستوى يمثل جانباً من عشرات اتفاقات الشرف غير المكتوبة بين طهران والولايات المتحدة التي جعلت العلاقة بين الطرفين طيلة أربعين عاماً خالية من أزمات أو حروب ولم تتجازوز الحرب الشفهية والنفسية والباردة لإرضاء الجموع التي ظلت تخرج على مدى أربعين عاماً تهتف ضد «الشيطان الأكبر» وهي لا تعلم أنه ربما يكون سراً الحليف الأكبر.

كما أن قيام ترامب بالمشاركة في إبرام الاتفاق مع طهران عام ٢٠١٥، مثل ذروة الانفراجة في الاتفاقات الرسمية المكتوبة التي جاء ترامب فأربكها بإلغائه الاتفاق كما أربك سياسات أمريكا الخارجية كلها.

وبينما كانت عشرات المقالات في الصحافة الغربية والعالمية التي تتحدث ليس عن تقلص النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط وإنما نهايته، لاسيما بعدما ضربت مصافي أرامكو في أبقيق في شهر سبتمبر/أيلول الماضي، دون رد أمريكي، ثم جاء اعتداء الميليشيات الشيعية العراقية الموالية لإيران على السفارة الأمريكية في بغداد ليمثل قمة المهانة لهيبة أمريكا ومكانتها ليس في المنطقة وإنما في العالم، هذه العلاقة التاريخية هامة لفهم الضربة القاصمة التي وجهتها الولايات المتحدة لإيران من خلال قتل قاسم سليماني الذي يبدو أنه كان يتحرك بأريحية تامة بين العواصم العربية التي تديرها إيران، معتمداً على اتفاقات الشرف والعلاقة التاريخية التي لم يحدث فيها تجاوز طوال العقود الماضية، فكان قادماً من دمشق إلى بغداد وكأنه يتجول بين المدن الإيرانية، لذلك لم يكن  مقتل سليماني  كضربة قاصمة لطهران فحسب، بل إنهاء لكل اتفاقات الشرف بين الطرفين التي امتدت أربعة عقود، ولكن ماذا عن سيناريوهات ما بعد مقتل سليماني، وهو السؤال الذي يبحث الجميع عن إجابة له؟

مقالات الرأي المنشورة في موقعنا لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع

شاركنا على:

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: ممنوع النقل