إحتلال بصيغة عصرية: هل ستنسحب أمريكا من سوريا أم ستبقى ومن سيدفع التكاليف؟ إليك الجواب الشافي!

آخر تحديث : الخميس 5 أبريل 2018 - 2:48 مساءً
هل ستنسحب أمريكا من سوريا أم ستبقى ومن سيدفع التكاليف؟ إليك الجواب الشافي

“إنَّنا نضرب داعش بقوة. وسنخرج من سوريا قريباً جداً. فلندع الآخرين يهتموا بها الآن”.

هكذا تحدَّث رئيس الولايات المتحدة الأميركية في مدينة ريتشفيلد بولاية أوهايو الخميس الماضي 29 مارس/آذار في تجمُّعٍ كان من المفترض أنَّه يتعلَّق بالبنية التحتية.

وللمصادفة، يمتلك البيت الأبيض بالفعل خطة طويلة الأمد بخصوص سوريا حسب ما يقوله مسؤولون سابقون وحاليون في الإدارة الأميركية، أي بعبارةٍ أخرى: الخطة هي بقاء الولايات المتحدة حيث هي، ولأجلٍ غير مُسمَّى، بحسب تقرير مطول كتبه حسن حسن، زميل مقيم في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط في واشنطن. ومايكل ويس: محرر بارز بموقع The Daily Beast.

في الواقع، الأمر هو محاولة من ترمب –وهو الذي يهتم بالمعاملات والمصالح التجارية- لجعل أحدهم يتحمَّل التكاليف. وقد أثار هذه الفكرة من قبل وفي مؤتمره الصحفي الذي عقده أمس الثلاثاء 3 أبريل/نيسان، في إشارة واضحة إلى اجتماعه الأخير مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وكان ترمب مُحدَّداً تماماً، فقال:

“السعودية مهتمة للغاية بقرارنا، وأنا قلت: “حسناً، تعلمون أنَّكم إن أردتمونا أن نبقى، فربما سيكون عليكم أن تدفعوا””.

لكن ما الذي يعنيه البقاء؟

كان ريكس تيلرسون، وزير الخارجية المُقال بصورة غير رسمية عبر تويتر، هو مَن وضع في يناير/كانون الثاني الماضي الخطوط العريضة للاستراتيجية الأميركية لما بعد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، رغم أنَّ لا تيلرسون ولا الجهة المعنية الأكبر، وزارة الخارجية، كانا هم مَن صاغاها؛

بل كان البيت الأبيض بقيادة مجلس الأمن القومي. ووقَّع دونالد ترمب عليها، الأمر الذي يجعل تصريحاته في كليفلاند بأوهايو إمَّا عفوية تتعارض مع أشهر كاملة من التخطيط الحكومي أو ارتجال يمكنك وصفه بـ”السياسة الزائفة”، وإمَّا أنَّ تلك هي فكرته عن المتاجرة البارعة.

وفقاً لتيلرسون، الذي وضع الخطوط العريضة للاستراتيجية الأساسية في معهد هوفر بجامعة ستانفورد، هناك خمسة أهداف:

  • لابد أن يعاني داعش والقاعدة “هزيمة دائمة” وألَّا تصبح سوريا مجدداً منصةً للتنظيمات الإرهابية العابرة للحدود التي تستهدف المواطنين الأميركيين.
  • يجب أن تصل الحرب الأهلية السورية الدائرة منذ سبع سنوات إلى نهاية عبر تسوية سياسية تفاوضية.
  • لابد من “تقليص” النفوذ الإيراني في سوريا و”حرمانها من أحلامها في إقامة ممرٍ شمالي”.
  • يجب خلق الظروف اللازمة للسماح للاجئين السوريين والمُشرَّدين داخلياً بالعودة إلى ديارهم.
  • لابد أن تكون سوريا “خالية” من أسلحة الدمار الشامل.

وأكَّد تيلرسون على الفظائع الموثقة جيداً التي ارتكبها نظام الأسد، إلى جانب تسهيلاته التي يُقدِّمها منذ عقد من الزمن لأشباه داعش الكثر، أو تغاضيه عنهم، وهو التنظيم الإرهابي عينه الذي اضطُرَّت الولايات المتحدة للتدخل في سوريا لهزيمته. ونتيجة لذلك، أصبح توافق الولايات المتحدة مع دمشق الآن مستحيلاً.

واتضح أنَّ المخاوف بأنَّ الولايات المتحدة كانت تنوي التنازل عن الأراضي التي حرَّرتها من “الخلافة” للنظام الذي مكَّن في المقام الأول تجسُّد هذا المشروع المروِّع لا أساس لها. وإذا ما انتهجت واشنطن السياسة المُصاغة بعناية التي تم التوصل إليها العام الماضي، بعكس نسخة ترمب وليدة اللحظة، فإنَّها ستشرع في مشروعٍ أكثر طموحاً لإقامة محمية أميركية بحكم الأمر الواقع في شرق سوريا تضم جزءاً كبيراً من الحدود التركية-السورية وكامل الحدود السورية-العراقية. ولفعل هذا، ستبقى القوات الأميركية في سوريا لأجلٍ غير مسمى.

والغاية من هذا النهج، مثلما يوضح لنا مسؤول أميركي كبير، هي إبقاء الأسد معزولاً دبلوماسياً ومشلولاً اقتصادياً، ومحصوراً في دولة متداعية عاجزة، وهو ما سيَثبُت في نهاية المطاف أنَّه وضعٌ أكثر كلفة بما لا يطيق معه الأسد الحفاظ عليه، وعبئاً متزايداً على الدولتين الراعيتين له –روسيا وإيران-  يصعب معه أن يستمرا في دعمه مالياً.

إيران تشغل بال الخليجيين وإسرائيل أكثر من داعش

ومثلما كان التفكير الأصلي للبيت الأبيض، فإنَّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وآية الله على خامنئي ليسا في سوريا تصدُّقاً. فكلاهما يتطلع للاستفادة من نجاح مهمة إنقاذ الدولة التابعة لهما.

ويسعى بوتين إلى حضورٍ عسكري دائم في الشام، وإلى نظامٍ يمكنه الاعتماد على نفسه من جديد في التمويل بدل البقاء واقفاً على قدميه عن طريق “القروض” الأجنبية وشحنات النفط. وفي الوقت نفسه، يرغب خامنئي وقائد حملته العسكرية القوي اللواء قاسم سليماني في خط اتصالٍ مباشر بين الحرس الثوري الإيراني ووكلائه الشيعة المتعددين، أي “الممر الشمالي” الذي أشار إليه تيلرسون، والذي يُعرَف أحياناً بـ”الجسر البري” الذي من المفترض أن يمتد من طهران بطول الطريق إلى ساحل البحر المتوسط. وتشغل النزعة التوسعية للملالي فكر إسرائيل وتركيا ودول الخليج العربية أكثر بكثير من مسألة انتشار الجهاد الإسلامي في سوريا، الذي يُنظَر إليه باعتباره أكثر قابلية للاحتواء ولا يُشكِّل تهديداً وجودياً لهم.

أراد المسؤولون الذين صاغوا سياسة ترمب الأصلية، التي ربما يتخلص منها ترمب الآن، ضمان أن يظل النصر ضد داعش في سوريا نصراً دائماً، بعكس ما هو الحال في العراق، حيث أدَّى انسحاب الولايات المتحدة في 2011 إلى تمكين الجهاديين من انتزاع انتصارات مذهلة في 2014 بعد ما كان يُفتَرَض أن تكون هزيمة إستراتيجية لهم.

وتسعى تلك السياسة كذلك إلى منع موسكو وطهران من جني الغنائم التي سعوا إليها طويلاً، ما يعكس عقيدة الدفاع الجديدة لوزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، التي ألغت أولوية الحرب العالمية على الإرهاب وتؤكِّد على صراع القوى الكبرى على غرار ما حدث في القرن العشرين باعتباره التحدي الأمني الأبرز للولايات المتحدة.

وبالتالي، مثَّلت السياسة المُفصَّلة تجاه سوريا ختاماً عكس المُنتظَر لحملة استمرت 15 عاماً ضد خصمٍ واحد. وفي حين غزت إدارة الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن العراق لخلق مجال نفوذٍ أميركي فوجدت نفسها تخوض حرب مكافحة تمرد، ورثت إدارة ترمب حرب مكافحة تمرد تسعى الآن لاستثمارها في صورة مجال نفوذٍ أميركي، على أن يخلو من مهمات “بناء الدولة” المثيرة للفزع أو فوضى احتلالٍ على شاكلة ما جرى في العراق.

هل تمتلك مثل تلك السياسة فرصة في ظل ظروفٍ داخلية وجيوسياسية مواتية، ناهيك عن الظروف الحالية؟ حتى إن سُمِح لها بأن تستمر، فإنَّ عناصر نفسية حيوية ستُقوَّض بدرجة كبيرة بفعل حالة الارتباك التي أوجدها ترمب.

القبائل مفتاح شرق سوريا.. وعلى الجميع مغازلتهم

خلقت الإدارة فور إعلانها انتشار القوات الأميركية في سوريا إلى أجلٍ غير مُسمَّى زخماً فريداً لبناء علاقات ثقة وأمن دائمة مع القبائل العربية السُنّيّة في وادي نهر الفرات، هذه المنطقة المرجعية التي دون الحصول على دعمها لن تكون هناك فرصةٌ لأي دولة محتلة أو قوة أخرى غير الدول.

يمكن فهم القبائل السورية على أفضل نحوٍ باعتبارها كونفيدرالياتٍ للعائلات تنتشر عبر منطقة جغرافية واسعة تُشكِّل شبكات قائمة على أساس القبيلة وتمارس سياسة الإجماع.

يُمثِّل هؤلاء 30% من سكان سوريا، لكنَّهم يقطنون مساحةً تفوق 60% من البلاد، بما في ذلك أكثر المناطق الغنية بالنفط في سوريا. وتقع أكثر التركُّزات القبلية في أربع محافظات:

درعا ودير الزور والحسكة والرقة، ومن شأن آخر ثلاث محافظات منها أن تكون مشمولة ضمن هذه المحمية الأميركية الناشئة. وفي كل واحدةٍ من هذه المحافظات الأربع تُشكِّل القبائل نحو 90% من السكان، ما يعني أنَّهم سيكونون رأس المال البشري الذي سيكون على أميركا الاستثمار فيه بأقصى قوة.

يُعرَف عن هذه القبائل أنَّها مُحافِظة وحذرة ومُتقلِّبة. فهي تتعاون مع أي قوة ترى أنَّها مهيمنة وأكثر قابلية للاستجابة لمصالحها طويلة الأجل. ولذا، كانت على مدى قرون ذات أهمية حاسمة بالنسبة للحكومات الاستعمارية أو الوطنية في ما يتعلَّق بحشد الدعم (أو العداء) المحلي، وتأسيس مصداقية (أو كراهية) للإدارات المدنية والعسكرية، وفي الآونة الأخيرة العمل كحائط صد ضد (أو عامل مُسرِّع لـ) التسلل الجهادي إلى مجتمعاتها.

أدرك داعش هذا الواقع الأنثروبولوجي جيداً. لكنَّ التحالفات القبلية ليست ثابتة كما أظهر التحول السريع في ولاء الرقة من الأسد في 2011 إلى المعارضة السورية في 2013 ثُمَّ إلى داعش في 2014، والآن لقوات سوريا الديمقراطية المدعومة أميركياً. ولهذا السبب، بدأ الأسد في تقديم عروضه لمنطقة الجزيرة الواقعة شرق الهضبة المكوَّنة من بلدات وقرى ومدن صحراوية شرقي وادي نهر الفرات.

في أكتوبر/تشرين الأول 2017، بدأ النظام التودد لقبائل دير الزور واستيعابها عن طريق عروض تضمَّنت حكماً ذاتياً محلياً في ما يتعلَّق بأن تُعهَد إليهم مهمة الضبط الأمني لمناطقهم، في محاولة لمعالجة مشكلة إحجام العائلات القبلية عن إرسال أبنائها للانضمام إلى الجيش السوري المُستنزَف وغير الكفؤ. وعلى غرار الميليشيات الممولة والمُسلَّحة إيرانياً التي تتبع من الناحية الفنية وزارة الدفاع السورية لكنَّها تتمتع بحريةٍ تكتيكية واسعة، فإنّ الميليشيات القبلية –نظرياً- ستعتني بشؤونها دون تدخل، أو بتدخل بسيط، من دمشق شريطة أن تبقى خاضعة سياسياً لتلك الأخيرة.

كانت تلك خطوة ذكية. وقالت ثلاثة مصادر قبلية مُطَّلعة وتعمل حالياً مع ما تسمى بقوات سوريا الديمقراطية إنَّهم وجدوا أنَّ هذه الصفقة جذابة وسيكونون على استعداد لقبول الانضمام إلى النظام إذا ما تم ذلك فعلاً.

لكنَّ ذلك كان قبل أن تُظهِر أميركا استعدادها البقاء هناك، حسبما أخبرتنا نفس المصادر، قائلين لنا إنَّهم سيُفضِّلون بصورةٍ كبيرة عقد اتفاق مع واشنطن أكثر من دمشق. ووصف أحد قادة الجيش الأميركي هذه الظاهرة باسم “الوهج القَبَلي” بعد سقوط داعش في (معظم) شرق سوريا.

لكنَّ هذه المشاعر ستكون عابرة إذا لم تُعزَّز العلاقة إلى ما يتجاوز المدى القريب عبر مزيجٍ من الدعم الدبلوماسي والعسكري، أو إذا ما أشار الرئيس كما فعل في أوهايو إلى صعوبة التكهن بما سيجري عليه الأمر. لم نرَ مؤشراتٍ على أنَّ البيت الأبيض لديه خطة متماسكة، حتى في التصميم الأصلي، حول كيفية إبقاء قبائل منطقة الجزيرة إلى جانب الولايات المتحدة.

وكحدٍ أدنى، ستحتاج وزارة الخارجية الأميركية والبنتاغون لإقامة آليات تواصلهما مع القبائل على غرار تلك التي استخدمتها في العراق أثناء تجربة الصحوات، التي نسَّقت على المستوى الوطني ما رآه قادة الألوية الأميركية المحليون في المثلث السني من تقلُّباتٍ وفرص قبلية. فعشيرة أبو ريشة في الأنبار على سبيل المثال انتقلت من تسهيل التمرد المعادي للولايات المتحدة في أحد الأسابيع إلى الشراكة مع الأميركيين وتعقُّب وقتل المتمردين في الأسبوع التالي، ليس انطلاقاً من شعورٍ رومانسي بالنبل، بل انطلاقاً من براغماتية صرفة.

إذ وصلت عشيرة أبو ريشة إلى تقديرٍ مفاده أنَّ الجهاديين الأجانب شركاء متغطرسين شديدي الخبث. لكنَّ المكاسب التي تحقَّقت من تجربة الصحوات، التي ترسَّخت عبر الزيادة التي قادها ديفيد بتريوس للقوات الأميركية في العراق، تبدَّدت بفضل رفض رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي دمج الميليشيات القبلية داخل المؤسسة الأمنية العراقية مثلما وعد، فضلاً عن عجز الولايات المتحدة عن إجبار المالكي على الوفاء بهذا التعهُّد.

الأنباء الجيدة في سوريا هي أنَّه لا توجد سلطة سيادية متداعية في الجزيرة لابد أن تتفاوض الولايات المتحدة معها. فـ”السلطة المدنية المحلية الشرعية” التي أشار إليها تيلرسون في خطابه ستكون، وهي بالفعل كذلك، مجالس حكمٍ محلية دون حكومة مركزية تخضع لها. أمَّا الأنباء السيئة فهي أنَّ مدى طول عمر تجربة الصحوات السورية سيتحدد بالضرورة عن طريق فاعلين أميركيين سيكون لديهم بالفعل مجموعة من المشكلات الأخرى التي يتعاملون معها، ليس أقلها التحالف المتوتر مع أحد الحلفاء المهمين في الناتو.

تركيبة قوات سوريا الديمقراطية.. المعضلة الأكبر التي تواجه واشنطن

إن كان من خللٍ قاتل في خطة إدارة ترمب الأصلية، فإنَّه يكمن في تركيبة قوة قوات سوريا الديمقراطية وهيكلها، وهو الاسم الذي يُعرَف به أكبر حلفاء أميركا في مكافحة التمرد. تتألَّف قيادة قوات سوريا الديمقراطية من موالين لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (PYD) وفرعه العسكري وحدات حماية الشعب الكردية المعروفة بـ(YPG).

وهذان هما الفرعان السوريان لحزب العمال الكردستاني PKK الذي تُصنِّفه الولايات المتحدة منذ زمنٍ طويل كتنظيمٍ إرهابي ذو توجهٍ ماركسي بسبب حملته المستمرة منذ 40 سنة ضد الدولة التركية.

ويوجد الكثير من مسلحي حزب العمال الكردستاني المخضرمين من تركيا وشمال العراق في صفوف وحدات حماية الشعب الكردية، ويشرفون على نقاط التفتيش العسكرية ويشغلون مناصب قيادة وتحكم رئيسية داخل جيش أميركا الوكيل “السوري” ظاهرياً.

أحد هؤلاء هو فرهاد عبدي شاهين، توجد جائزة مقدارها مليون دولار مقابل رأسه، لكنَّ ذلك لم يمنعه من أن تُلتَقَط صورٌ له شمال شرقي سوريا تحت حراسة أميركية العام الماضي 2017.

أعطى البنتاغون باستمرار فكرة خاطئة عمداً عن تكوين قواته المتوارية على الأرض وولائها، لأنَّ حزب العمال الكردستاني أثبت أنَّه الأكثر فعالية في قتال داعش بالشراكة مع سلاح الجو والقوات البرية الأميركية. وفاقت أهمية مكافحة الإرهاب –على الأقل التي تستهدف الإرهابيين العرب السُنَّة- أهمية الجيوسياسة وجاءت على حساب تدهور تحالف واشنطن مع أنقرة أكثر.

فضلاً عن أنَّ أيديولوجيا حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي –وهي مزيج من الماركسية، والنزعة الانفصالية الكردية، والنسوية التقاطعية- ليست هي الوصفة الأمثل لمهمة حفظ سلام في واحدٍ من أكثر الأماكن العربية تحفُّظاً دينياً في المنطقة. ووصم المُروِّجون لحزب الاتحاد الديمقراطي خصومهم السياسيين بأنَّهم متعاطفون أو متعاونون مع داعش، بما في ذلك أعضاء “الرقة تُذبح بصمت”، وهي مجموعة جماهيرية ناشطة قتل داعش أعضائها.

يُقرّ صانعو السياسة الأميركيون، على استحياء، بأنَّ إقامة محمية في منطقة الجزيرة دون توافقٍ أميركي-تركي بخصوص “مسألة حزب العمال الكردستاني” لا يمكن أن تنجح.

لكن حتى الآن، لجأ البيت الأبيض إلى تقديم تطميناتٍ شفهية غثَّة بشأن “مباعث القلق الأمنية” لتركيا في حين وضع حقائق صلبة على الأرض تفاقم تلك المخاوف بصورة أكبر، على الأقل في نظر تركيا؛ ويحدث هذا في فترة تتسم بالفعل بدرجة لا تُصدَّق من المشاعر المناوئة للولايات المتحدة.

أميركا المنافقة

جعلت المحاولات الفاترة لتهدئة أنقرة أميركا تبدو منافِقة أو ضعيفة، أو كليهما.

حين أعلنت وزارة الدفاع بصورة غير مباشرة أنَّه سيجري الاستعانة بتلك القوات لإقامة قوات سوريا ديمقراطية جديدة “لحراسة الحدود”، قرَّرت أنقرة إطلاق عملية “غصن الزيتون”، وهو هجوم جوي وبري على مدينة عفرين التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي في محافظة حلب، والتي تقع إلى الغرب من المنطقة التي تديرها الولايات المتحدة.

اعتمد هذا التدخُّل المباشر، وهو الأول لتركيا ضد أهداف غير مرتبطة بداعش في سوريا، على معارضين إسلاميين ومن الجيش السوري الحر كقواتٍ أرضية، وكان يهدف إلى انتزاع السيطرة على إحدى المناطق المهمة على الحدود السورية-التركية من يد الفرع التابع لحزب العمال الكردستاني. وقد قُوبِلَ ذلك على نحوٍ محرج بإذعانٍ من واشنطن وموسكو، واشنطن انطلاقاً من رغبة للاسترضاء، وموسكو كوسيلة للحفاظ على علاقتها المصلحية مع تركيا وإحراج واشنطن عن طريق تسليط الضوء على طبيعة التدخُّل الأميركي الذي يأكل بعضه بعضاً في سوريا.

أصبحت عفرين منذ ذلك الحين صيحة استنفار لحشد الأكراد السوريين، فتدفَّق مسلحو قوات سوريا الديمقراطية لعبور نهر الفرات -بالمخالفة لأوامر البنتاغون- للانضمام إلى رفاقهم ضد الهجوم الذي يشنه أحد حلفاء الولايات المتحدة، الأمر الذي أسرَّ داعش كثيراً، الذي لديه الآن قوات مكافحة تمرد أقل للتعامل معها في الجزيرة.

وفي الوقت نفسه، أصبح حزب الاتحاد الديمقراطي في عفرين يائساً للغاية في ما يتعلَّق باستعادة السيطرة على المدينة لدرجة أنَّه طلب، وحصل على، مساعدة نظام الأسد العسكرية، ولو أنَّ ذلك لم يكن بقدرٍ كافٍ لوقف التقدُّم التركي.

بعبارة أخرى، ذهب حليفٌ للولايات المتحدة إلى القتال جنباً إلى جنب مع عدوٍ للولايات المتحدة ضد حليفٍ آخر للولايات المتحدة.

عفرين باتت لآن في يد أردوغان، ورغم أنَّ عمليته العسكرية لم يكن لها تأثيرٌ مباشر على جهود التحالف شرقي الفرات، فإنَّ عواقبها على المصالح الأميركية كانت لها ثلاثة أوجه.

أولاً، جعلت الأكراد غاضبين وأعادت فتح الجراح القديمة لـ”الخيانة الأميركية”، وهي نقطة ضعف من الأكيد أنَّ داعش يُقدِّرها ويحاول الاستفادة منها.

ثانياً، بدأ البيت الأبيض الآن يدرس سحب ميليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي من مدينة منبج وتحويلها إلى مستوطنة أميركية-تركية مشتركة. ومن شأن ذلك في الواقع أن يمنح أنقرة السيطرة على ما يُسمَّى “جيب منبج”، الذي كان في السابق معقلاً مهماً لداعش في محافظة حلب. لكنَّ البنتاغون، وخصوصاً قيادة العمليات الخاصة، تحمي بقوة حزب الاتحاد الديمقراطي بسبب ما بذله مقاتلوه في المعركة ضد داعش.

وأخيراً، بالنسبة للعرب السُنَّة، الذي يُعَد تعاونهم شرطاً لا غنى عنه لتقرير نجاح أو فشل الاستراتيجية الأميركية في منطقة الجزيرة، أصبحت هذه الحادثة مثالاً آخر يُظهِر عدم الاتساق الاستراتيجي.

فالقوة العظمى الوحيدة في العالم لا تُحجِم عن دعم أصدقائها في المنطقة وحسب، بل لا تبالي في الوقت عينه الذي ينخرط فيه هؤلاء الأصدقاء في العمل معها ضد أعدائها. وسرعان ما يتحول الوهج القبلي إلى إدراكٍ قاسٍ بما قد تبدو عليه الشراكة طويلة الأمد مع الولايات المتحدة بمجرد أن تتطفَّل عليها بلدانٌ أخرى.

تسوية الضفدع البعثي على نار هادئة

كيف سينجح العنصر المناهض للأسد في هذه الاستراتيجية، هذا إن كان له فرصة نجاح أصلاً؟ افترضت سياسة البيت الأبيض الأصلية أنَّه نظراً إلى أنَّ الأسد رَهَن لدى روسيا وإيران الأجزاء “الحيوية” أو “المفيدة” في سوريا- وهي الأجزاء التي لا يستطيع إدارتها بدونهم، بما في ذلك حلب وحمص ودمشق والمقاطعات الساحلية – ومن ثَمَّ سيحكم الأسد الجزء المتبقي من دولته من موقع ضعف وليس قوة، وحتى الولايات المتحدة ستجعله أضعف.

وهذا يعتمد اعتماداً كبيراً على مدى استعداد الولايات المتحدة للذهاب لطرد الأسد من الجزيرة.

هناك بعض الدلائل على أنَّه بالرغم من التحسُّن الملحوظ في الاقتصاد السوري، بعد الانتصارات التي حققها النظام في ساحة المعركة، هناك توترات واضحة بين دوائر الأسد والروس، الذين لا يرغبون في تمويل استهلاك الطاقة في سوريا وآلة الحرب إلى ما لا نهاية.

وقد قاد الاندفاع المجنون وراء استرداد الموارد الخارجة عن السيطرة في الجزيرة دمشق وموسكو إلى اختبار العزيمة الأميركية.

إذ رتَّبت القوات الموالية للنظام في فبراير/ شباط محاولةً جريئة وغبية غباءً ملحوظاً، استخدمت فيها عدداً مجهولاً من المرتزقة الروس “فاغنر”، لاستعداء قوات سوريا الديمقراطية والقوات الخاصة الأميركية بالقرب من حقل كونوكو حول دير الزور. وكانت النتيجة شن الولايات المتحدة ضربةً انتقامية أدت إلى مقتل روس لأول مرة منذ بدء الحرب.

كان الكرملين إلى حد استثنائي خجولاً من الأمر، نظراً إلى أنَّه ينكر نشر المرتزقة في سوريا في المقام الأول، وأنَّ فاغنر مجرد مجموعة من “المتطوعين” الوطنيين.

وفي الحقيقة، وعدت شركة البترول العامة السورية الحكومية مُمَوِّل فاغنر بتخفيض 25٪ على حقول النفط والغاز المستردة من داعش- وحتى تلك التي استعادتها قوات سوريا الديمقراطية على الأرجح.

وما دام حلفاء الولايات المتحدة قد أبقوا قبضتهم على هذه الحقول، فإنَّهم يمنحون واشنطن نفوذاً اقتصادياً ضد النظام لم تكن تملكه قبل تدخلها عام 2014، عندما كان المقصود من العقوبات والضغط الدبلوماسي خنق الأسد وإخضاعه، لكنَّها فشلت.

وإذا لم يستطع الطاغية خلق اقتصاد يعتمد على نفسه من بقايا دولته المبتورة، فمن سيمول إقطاعيته؟ هل ستتولى روسيا وإيران ذلك إلى الأبد؟ أو كما قال أحد المسؤولين الأميركيين:

“ماذا يحدث عندما لا تُدفع أجور الجنود السوريين في وقتها، أو لا تُدفع إطلاقاً؟ هل سيستمرون في القتال على الجبهة انطلاقاً من “الوطنية” أو الرغبة في “حماية المزارات الشيعية”، وهذا هو السبب الذي جعل إيران تدَّعي أنَّها أرسلت قواتٍ وميليشيات إلى ساحة القتال في سوريا.

سوف تشمل سياسة تسوية الضفدع البعثي على نار هادئة رفض أي مساعدة غربية للمناطق التي يسيطر عليها النظام. أو محاولة منع ذلك بأية طريقة كانت، لأنَّ سجل محاولات الاحتفاظ بالضروريات الإنسانية بعيداً عن أيدي أولئك الذين جعلوها ضروريةً في الأساس كان سيئاً للغاية.

لا يقتصر الأمر على تعارض موقف الاتحاد الأوروبي مع موقف الولايات المتحدة، واستعداده لتقديم أموال إعادة الإعمار للأسد مقابل محادثات السلام فحسب، بل حتى مساعدات الإغاثة التي خصصتها الأمم المتحدة لمناطق المعارضة تعرَّضت لسرقةٍ منهجية من جانب النظام السوري الذي يفتخر بذلك.

إذ ذكرت إحدى الدراسات أنَّ النظام اختلس ما قيمته أكثر من مليار دولار من المواد الغذائية والأدوية والإمدادات في عام 2015 وحده.

ويرجع ذلك في المقام الأول إلى أنَّ الأمم المتحدة تعمل في سوريا بإذن من النظام الذي يأخذ -على غرار تصرفات المافيا- ما يريده من قوافل الشاحنات التي تشق طريقها بصعوبةٍ عبر نقاط التفتيش التابعة له.

وإذا لم تخطط الولايات المتحدة لإنزال جميع المساعدات إلى مناطق المعارضة جواً، سيتعين عليها الاتفاق على طرقٍ برية عبر تركيا، الأمر الذي يعيدنا إلى مشكلتنا السابقة المتمثلة في تلبية مطالب أردوغان فيما يتعلق بحزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني.

بشكلٍ عام، ما تقترحه واشنطن فعلاً هو تحدي للاجئين والنازحين يشبه تحدي “بيبسي” لاختيار المذاق الأفضل؛ فهُم بين مطرقة الديكتاتورية القائمة على الفساد والإفقار المستمرة في تلقي الدعم الرئيسي من نظام ثيوقراطي شيعي راعٍ للإرهاب ومن روسيا الغارقة في العقوبات، وسندان “سوريا الحرة” المدعومة دولياً وملاذ المنظمات غير الحكومية الذي تحميه مروحيات أباتشي وطائرات من طراز إيه سي -130.

سينسحب الأمريكيون أم سيبقون؟

مخاطر الوجود الأميركي الدائم في الجزيرة كثيرة وواضحة. فبادئ ذي بدء، ستكون القوات والمنشآت الأميركية الآن أهدافًا جذابة لتنظيم داعش. لكنَّ دوريات الولايات المتحدة في الأراضي التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية في شمال سوريا أثبتت (حتى الآن) أنَّها أكثر أمناً من دوريات القوات الأميركية في مدينتي الرمادي أو الفلوجة العراقيتين.

ولا يرجع ذلك فقط إلى قدرة قوات سوريا الديمقراطية -على الأقل حتى الآن- على التفوق على قدرة قوات الأمن العراقية بشكلها قبل عام 2014 في إعاقة ظهور حركات معارضة جديدة، ولكنَّه يعود أيضاً إلى ضآلة حجم القوات الأميركية في سوريا:

2000 جندي مقابل 150 ألف جندي في العراق في منتصف العقد الماضي. الأمر الذي يطرح سؤالاً حول حجم القوات الأميركية التي ستتركز في الجزيرة، وما هي دول التحالف الأخرى التي ستدخل ضمن ترتيب المعركة.

ثمة احتمالٌ كبير -إذا احتفظ البيت الأبيض بخطته الأصلية- بزيادة عدد القوات الأميركية المنتشرة مع القضاء على آخر بقايا داعش، وانضمام مُجنَّدين جدد إلى صفوف قوات سوريا الديمقراطية، وتوسيع التجهيزات القتالية الموجودة بالفعل.

وربما لن يُكشَف أبداً عن العدد الفعلي للأفراد، بما في ذلك الدعم غير القتالي والمحللين والموظفين الاستخباراتيين، علانيةً.

ولم تناقش إدارة ترمب حتى الآن مسألة استمرار “المستشارين” العسكريين الأميركيين في العراق بعد انتهاء عملية “العزم الصلب”، وهي مسألة غامضةٌ لم يتطرق إليها ترمب ولو تلميحاً في الخطاب الذي ألقاه في ولاية أوهايو أو مؤتمره الصحفي الذي عقد يوم الثلاثاء 3 أبريل/نيسان.

على أية حال، سيتطلَّب قرارٌ كهذا موافقة حكومة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، أو بالأحرى تحرُّكاً حذراً عبر تقلُّبات السياسة العراقية.

ومن الناحية النظرية، فإذا احتلت القوات الأميركية مواقع على جانبي الحدود العراقية السورية، سيُصبح إجراء دوريات في معبرٍ حدودي رئيسي والرد على التهديدات الوشيكة بطول المعبر أسهل بكثير، لكنَّ ذلك هذا يعيدنا إلى ماهية هذه “التهديدات”.

أحد الأجزاء التي لا تتجزأ من مبادرة الجسر البري لقاسم سليماني هو استخدام الميليشيات الشيعية العراقية المعروفة باسم قوات الحشد الشعبي التي تقاتل منذ فترةٍ طويلة في سوريا لمصلحة النظام. ويُذكَر أنَّ بعض هذه الميليشيات، من بينها عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله، تلقت حمايةً جوية أميركية في معاركها ضد داعش في العراق. بينما مكَّنت الأسد في سوريا على نحوٍ أساسي من إحكام قبضته على الجيش السوري الحر المدعوم من تركيا، وقوات المعارضة الأضعف، بما في ذلك قوات المعارضة المدعومة من أميركا.

لطالما كان هناك خوفٌ لدى مُخطِّطي السياسة الأميركية من أنَّ أي محاولةٍ لاحتواء التوسُّع الإيراني في بلدٍ ما أو ردعه ستُقابل بالانتقام في بلدٍ آخر. فعلى سبيل المثال، إذا فجَّرت الولايات المتحدة موقعاً تابعاً لحزب الله في دير الزور، فهل ستوجِّه قوات الحشد الشعبي في الأنبار مدفعيتها صوب الجنود الأميركيين المتركزين في قاعدة الأسد الجوية؟

بيد أنَّ هذه المخاوف لم تتحقق حتى الآن؛ فالطائرات الحربية الأميركية تُدمِّر قوافل تابعة لحزب الله بالقرب من بلدة التنف السورية، دون أن يُعرِّض ذلك الجنود الأميركيين في العراق للخطر. ومع ذلك، تُمثِّل قوات الحشد الشعبي الآن جزءاً من الدولة العراقية وتُشكِّل تكتُّلاتها السياسية الخاصة في الانتخابات العراقية المقبلة.

ومن ثَمَّ، سيكونون قريباً في وضعٍ يُمكِّنهم من التأثير على انتشار القوات الأميركية في العراق دون اللجوء إلى العنف.

ويذكر أنَّ أميركا ذهبت لمحاربة داعش تحت الغطاء القانوني لتصريح استخدام القوة العسكرية الصادر عام 2001 الذي يسمح للقوات الأميركية بمطاردة تنظيم القاعدة في أي مكانٍ في العالم انتقاماً من أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول.

لذا فمن المحتمل أن تلجأ إدارة ترمب إلى هذا التصريح لتسويغ وجودٍ عسكري أميركي مستمر في سوريا بحجة ضمان عدم ظهور داعش مرة أخرى. لكنَّ ذلك ليس السبب الوحيد، إذ أظهرت معارك أميركية وقعت مؤخراً ضد قواتٍ غير تابعة لداعش -من بينها مرتزقة روس ومليشيات إيرانية- أنَّ القوات الأميركية قد تنزلق بسهولةٍ إلى المخاطر لأسبابٍ لا علاقة لها على الإطلاق بأسامة بن لادن أو تدمير برجي مركز التجارة العالمي في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول.

ويجب على الإدارة الأميركية التحلِّي بالشفافية بشأن هذه الحقيقة الآن بدلاً من التشويش عليها في وقتٍ لاحق، لا سيما بالنظر إلى صراحة ترمب الفريدة من نوعها في تصريحاته عن الالتزامات العسكرية الأميركية في الخارج.

ومن الحجج الأخرى التي يمكن ذكرها لإبقاء القوات الأميركية في سوريا ردع التوسُّع الإيراني لأنَّه يتحمل مسؤوليةً مباشرة في تطرُّف السُنَّة الذين لا يرون أي بديلٍ آخر عن استعباد المرشد الأعلى في إيران سوى الانضمام إلى جماعاتٍ سنية متطرفة مثل داعش، ويُهدِّد مصالح حلفاء أميركا الإقليميين مثل السعودية والأردن وإسرائيل.

وقال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في أثناء جولته التي حازت شهرةً إعلامية كبيرة في الولايات المتحدة الأسبوع الماضي، والتي تضمَّنت لقاءاتٍ مع ترمب في البيت الأبيض:

“نعتقد أنَّ القوات الأميركية يجب أن تبقى في سوريا على المدى المتوسط على الأقل إن لم يكن على المدى البعيد”.

ومن الواضح أنَّ ابن سلمان كان أكثر قلقاً حيال تنازل الولايات المتحدة عن الأراضي التي كسبتها بمشقةٍ لعلي خامنئي الذي وصفه مؤخراً بأنَّه أسوأ من هتلر. وبغض النظر عن هذه المبالغة، وكذلك اعتماد محمد بن سلمان المُفرط على أهمية علاقته الجيدة مع جاريد كوشنر صهر ترمب، فإنَّ مصالح الرياض الاستراتيجية لم تتفق قط اتفاقاً كبيراً مع مصالح حلفاء الولايات المتحدة التقليديين في المنطقة، أو مصالح أميركا نفسها، على الأقل وفقاً لعقيدة البنتاغون العسكرية الجديدة.

ربما تكون الحجة الأكثر إقناعاً للبقاء هي أنَّ الولايات المتحدة لم تنفق مليارات الدولارات لتدمير جماعةٍ إرهابية من أجل دكتاتورٍ سفَّاح سمح لتلك الجماعة في الأساس بالانتشار واحتلال ثلث دولته. وإذا لم تعد الولايات المتحدة تعمل في مجال التدخل الإنساني، فلا يجب أن تكون جمعيةً خيرية لإنقاذ الطغاة الذين يحتضنون الإرهاب ثم يتوسلون لمساعدتهم في القضاء عليه.

ليست موافقة الكونغرس هي العقبة الوحيدة التي يجب تخطيها؛ فكيف ستضفي الولايات المتحدة شرعيةً على الحكم الذاتي للجزيرة دون اعتراف دولي؟ وهناك 62 دولةً مشتركة بشكلٍ أو بآخر في التحالف المناهض لتنظيم داعش.

وإلام سيؤول الوضع النهائي لهذه المحمية؟ هل ستُمنَح اعترافاً دبلوماسياً وأموال إعادة الإعمار التي تحتاج إليها بشدة من جانب بعض هذه الدول الـ62 أو كلها، حتى بعدما أعلنت الولايات المتحدة عدم نيتها تمويل إعادة الإعمار المُلِحة في المُدن العراقية المُدمَّرة؟

والأكثر إشكاليةً للمخططات الأميركية هو كيفية إنشاء نظامٍ سياسي قابل للحياة قادر على الحكم محلياً ومركزياً.

ولا يقتصر الأمر على أنَّ واشنطن ستضطر إلى الإشراف على تقليص نفوذ حزب الاتحاد الديمقراطي في قوات سوريا الديمقراطية -على افتراض أنَّ حزب الاتحاد الديمقراطي سيوافق على التخلِّي عن هذا النفوذ الذي اكتسبه بتضحيةٍ دموية- ولكنَّها ستضطر أيضاً إلى التوفيق بين طموحاتٍ كردية وأخرى عربية في منطقةٍ غير ساحلية مُحاطة بقوات معادية من جميع الجوانب.

عرفنا من عدة مصادر عسكرية أميركية أن البنتاغون يخشى أن يُبرِم حزب الاتحاد الديمقراطي -الذي خاب أمله بعد العملية العسكرية التركية الأخيرة في عفرين- صفقةً مع نظام الأسد أو يُخرِج مناطق مثل دير الزور والرقة من قائمة أولوياته.

وصحيحٌ أنَّ هذه المدن تشهد حملةً جديدة على قدمٍ وساق لتجنيد المزيد من العرب في صفوف قوات سوريا الديمقراطية، لكنَّها تشهد كذلك سلسلةً من الاغتيالات المشؤومة في مناطق خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية.

وتُعَد هذه علامةً إمَّا على عودة داعش بدرجةٍ قليلة أو ما هو أسوأ: بداية التحزُّب والانقسام بين وكلاء الولايات المتحدة. وقد يكون الخطر الذي يهدد مُخطَّطات المحمية أكثر من خطر الأسد وإيران وسوريا هو نشوب نزاعاتٍ داخلية بين الأطراف المعنية بالحفاظ على المحمية.

وصحيحٌ أنَّ شمال شرق سوريا هو الجزء الأغنى بالنفط في البلاد، لكنَّه يضم كذلك أفقر سكان. إذ دُمِّرت سُبل العيش بعد سنواتٍ من التمرُّد والحرب.

وانتهى المطاف بالعديد من سكان الجزيرة بالانضمام إلى داعش لأنَّ قوات التحالف قصف المصانع والمنشآت التي كانوا يعملون بها، ولم تكن لديهم أي وسيلة دخل أخرى. وكان تنظيم داعش في أزهى فتراته يدفع رواتب مجزية لمقاتليه.

جنود وأعين وآذان على الأرض

بينما تتضح مخاطر الاستراتيجية الحالية، فهناك أيضاً منافع ملحوظة للأمن القومي، بدءاً من تعزيز قدرة أفضل على جمع المعلومات الاستخباراتية، عن طريق نقاط تنصُّت ومراكز “اندماجٍ” حليفة، وقواعد عمليات أميركية متقدمة، ومطارات متمركزة في قلب حقول أشواك أتباع أبو بكر البغدادي تهدف لجعل حياة هؤلاء كريهة للغاية.

وبينما يتسلل مسلحو داعش جنوباً إلى صحراء دير الزور والأنبار الوعرة، ستصبح تلك النقاط مهمة لمراقبة تحرُّك الجهاديين وإعادة تموضعهم، وكذلك اعتراض خطط الحرس الثوري الإيراني لإقامة ممرٍ بري مباشر من العراق إلى سوريا.

تضع الولايات المتحدة في الواقع نفسها على البوابة الحدودية الرئيسية للجهاد العابر للحدود خارج مسرح الحدود بين أفغانستان وباكستان، ما يجعل من الصعب للغاية على داعش أن يلتقط أنفاسه، ناهيك عن أن يتمكَّن من العودة.

وكما كان الحال تماماً في أثناء احتلال العراق، حين شنَّت قيادة العمليات الخاصة المشتركة غاراتٍ في منطقة شرق سوريا لقتل عملاء القاعدة أو أسرِهم، فإنَّ اتجاه الحركة الآن سينعكس؛ إذ يمكن للقوات الأميركية الخاصة ووكالة الاستخبارات المركزية من قواعدهم في الجزيرة أن يلاحقوا داعش إلى داخل العراق.

ولن يكونوا وحدهم في إبقاء أعينهم على الجزيرة. فالأردن وإسرائيل في الجوار، وأظهرت الأخيرة استعداداً ثابتاً للرد بحركية داخل سوريا كلما تهدَّدت مصالحها. والشاهد على ذلك هجوم سلاح الجو الإسرائيلي على أنظمة الدفاع الجوي التابعة للأسد بعد إسقاط مقاتلة إسرائيلية من طراز إف-16.

وبقدر ما تمتلك واشنطن ما يكفي من الأسباب لتخشى تصعيداً مع طهران وموسكو، فإنَّ طهران وموسكو لديهما أسباباً أكبر لتخشيا من تصعيدٍ مع واشنطن. وقد أثار تدخُّلهما المباشر في سوريا غضب الأمة العربية السُنِّيَّة بمشاركتهما في أسوأ كارثةٍ إنسانية في هذا القرن، ما يجعلهما أكثر عُرضةً للهجمات الإرهابية.

وقد وفَّرتا لحلفاء الولايات المتحدة المتنازعين هدفاً مشتركاً في مرحلة ما بعد داعش، ألا وهو كيفية دحر نفوذهما في المنطقة أو تقليصه.

وعلى حد قول أحد المسؤولين الأميركيين، “سيكون من الصعب للغاية محاولة تحقيق أهدافنا في سوريا إن كانت لنا أهداف مختلفة عن حلفائنا الإقليميين، أي تركيا ودول الخليج والأردن وإسرائيل.

وإذا جرى توجيههم جميعاً في نفس الاتجاه، فما من قوة في العالم بإمكانها الوقوف في وجه طموحات الولايات المتحدة في شمال الشرق الأوسط”.

2018-04-05 2018-04-05
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

هيئة التحرير
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE
error: Alert: CoAlert:موضوع محمي لا يمكن نسخه شكرا لتفهمكم !!ntent is protected !!