في الجزائر فقط… أو حيث لا يضحك أحد… مغنية تعتدي بدون حياء على مديع… مَذلََّة قوم !!

آخر تحديث : السبت 26 مايو 2018 - 11:46 مساءً
في الجزائر فقط… أو حيث لا يضحك أحد… مغنية تعتدي بدون حياء على مديع… مَذلََّة قوم !!

 مع اليوم الأول من رمضان، بدأت الفضائيات الجزائرية في قذف برامجها الجديدة، وبدأت تتساقط، على رؤوس المُشاهدين، ما يُطلق عليها «مسلسلات كوميدية»، وتكاثرت برامج «الكاميرا الخفية» المكررة والمستنسخة عن بعضها بعضاً.

بالمقابل، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بالتعليقات والتعقيبات والاحتجاجات من ترهل الكوميديا المحلية.

هناك اتجاه عام في الاستهزاء ﺑ»السخرية» الجزائرية، والتهكم من أداء المُمثلين.

فالجزائري لا يُضحك الجزائريين وغير قادر على إقناعهم بمقالبه. لكن أليس هذا أمرا منطقيا؟ في بلد بلا نكتة.

بلد يستورد النكتة من دول الجوار، يُعيد صياغتها وتحويرها، ويدسها في ألسنة مواطنيه، كعابر سبيل يقتات من لقمة الآخرين. 

النكتة ليست مجرد لحظة عابرة للضحك والتسلية، بل هي تعبير صريح عن وضعية مجتمع ما، وشكل من أشكال المُقاومة.

في ظل هذا التصحر، وفشل الجزائري في ابتكار النكتة، على المتفرج أن ينته لأصل المشكلة، ويتوقف عن التحامل على الممثلين وعلى أدائهم.

ففي بلد حيث يعتبر الضحك من السلع النادرة، ويرتفع فيه منسوب القلق والغضب والنرفزة، من غير المعقول أن ينتظر كوميديا، تلبي حاجياته، كل رمضان. 

من المُفترض أن النكتة تنتعش في المجتمعات الاستهلاكية. كلما زادت حركية الفرد زادت السخرية، فهي أشبه بمسكن، يبتلعه للتخفيف من ضغوطات الحياة اليومية.

لكن في الجزائر، انتعاش مجتمع الاستهلاك، رافقه تراجع في النكتة، وباتت الفكاهة تستورد مثلما تستورد القهوة واللحوم المجمدة. والجو السياسي العام يبرر هذه الوضعية.

من معاينة مقاربة، سنجد أن الدعابة تتراجع خصوصاً في الأنظمة المُغلقة، كذلك هو الحال في دول مثل فنزويلا أو كوبا، وقد لحقت بهم الجزائر أخيراً.

في عز سنوات الإرهاب، حين تحولت البلاد إلى ما يشبه مأتما مفتوحا، قاوم الجزائري فداحة الواقع بالضحك، والجميع يتذكر، «ثلاثي بلا حدود، ثلاثي الأمجاد، بيونة في سنوات الموت، جماعة قسنطينة وعيسى ستوري، واليوم في وقت السلم» تحولت الفرجة إلى عبوس. 

في العادة، تولد النكتة من ماضي الشعب، من ذكرياته، تُخترع من تجارب عشناها أو عاشها من نعرفهم، وكلما حاول الأفراد أن يتناسوا ماضيهم، وفكروا في محوه، فهم يمحون – لا إرادياً – روح الدعابة، ويغلبون الصرامة السمجة على السخرية العلاجية.

هذه النزعة في عدم الضحك، ومُعاداته، في يوميات الجزائري، توحي بأنه غير راضٍ على حياته، وغير مستعد للنظر إليها والتعاطي معها، لهذا فهو يميل ـ غالباً ـ للظهور في مزاج معكر، ورغبة ملحة في التجهم، بدل الانشراح والمزاح.

  ثم هناك عامل آخر، يستحق أن نتوقف عنده، وهو الرقابة الذاتية، الناجمة عن حساسية الجزائري المفرطة، ونرجسيته غير المبررة. فكل واحدة من مناطق البلد تمتاز بخصوصية لسانية وأخرى ثقافية تفرقها عن الأخرى، ومن الطبيعي أن تتوالد نكت يسخر فيها ـ من باب الدعابة ـ الجنوبي من الشمالي، أو الشمالي من الجنوبي، أو من يسكن في الشرق من مواطن من غرب البلاد، والعكس، ولكن هذه الأمور من التابوهات، فالجزائري لا يتقبل أن يضحك على نفسه، أو أن يُبادله مواطن له نكتة عنه، سيعتقد أن في الأمر مساساً بكرامته وتاريخه.

وبدل أن تقرب الدعابة بين شخصين مُتباعدين ـ وذلك هو القصد منها ـ ستتحول إلى سبب في تغذية الكراهية. هكذا تصير النكتة موضوعاً يُحاط بكتلة من الاحتياطات، تُفرغ من العفوية والتلقائية، وتفقد بالتالي خصوصيتها وماهيتها. كما أن المُلاحظ في الفضائيات الجزائرية هو انتشار «نكت نخبوية»، مُتعالية وخارج السياق في مرات كثيرة، لا تمس سوى عدد ضئيل من المتلقين، بحكم أن الممثلين يعتمدون على كتاب سيناريو معزولين عن الحياة العميقة للبلد، هذا ما أدى لمقاطعة جماعية للبرامج المحلية.

النكتة هي أيضاً أسلوب حياة، وحين أضاع الجزائري روح الدعابة، أضاع جزءاً من هويته، وحصر نفسه في سلوكيات مكررة حد الملل. فتراجع الكوميديا الرمضانية، له ما يبرره، نظراً لتراجع «مجتمع الفرجة» في البلد، حيث صار «الضحك» من مرادفات الرعونة، في مخيلة المواطن، ومن «قلة الحياء» أحياناً.

كما أن المسرح يعيش «مقيداً» طوال السنة، والعروض الساخرة لا تجد مكانا لها، فقد ألغي، مع مجيء وزير الثقافة الحالي، مهرجان الضحك الوحيد، الذي كان يُنظم في الجزائر العاصمة، وصار رسامو كاريكاتير يُتابعون قضائياً، وآخرون يحسبون ألف حساب قبل نشر رسم لهم.

قبل أيام نشرت جريدة يومية رسماً يسخر من مدينة قسنطينة، فتعرض الرسام لتسونامي من الشتائم، مما حتم عليه الاعتذار في اليوم الموالي.

ثم إن الجزائر تفتقد لميديا ساخرة (عدا تجربة موقع «المنشار» الفردية)، لا توجد فيها مساحات للدعابة، ولا يهتم كتابها بالأدب الساخر.

في مُحيط معاد للضحك كهذا، يتحمل التلفزيون، خصوصاً في رمضان، عبئ إضحاك الجزائريين، على الرغم من أنه لا يتوافر على قاعدة ولا مواد يبني عليها برامجه الكوميدية، أضف إلى ذلك غياب تكوين الممثلين.

لو سألنا أي جزائري عن أسماء ممثلين كوميدين، سيذكر ثلاثة أسماء لا أكثر؛ اثنين منهم رحلا، والثالث وصل إلى نهاية مشواره.

والممثلون الشباب؟ لا أحد يثق فيهم.  تحت يافطة الفكاهة دائماً، تخصصت الفضائيات الجزائرية، في بث برامج «كاميرا خفية»، أشبه بأفلام رعب، غالباً ما تنتهي بصراخ وعويل ونحيب، وليس بضحك، كما هو متفق عليه في نوع من البرامج كهذا.

قبل عامين، عرضت واحدة من القنوات، كاميرا خفية، بعنوان «الرهائن»، تقوم على اختطاف شخصيات، وترويعهم، في سيناريو يذكرنا بصنائع الجماعات الإرهابية، واعتقدنا أن تلك هي الذروة، التي لن تذهب أبعد منها، وهذا العام تكرر الأمر بشكل مقارب، حيث أن غالبية هذا النوع من البرامج، ينتهي بمشادات بالأيدي، والضرب والسب والكلام البذيء.

والطرفة أن نجد واحداً من مذيعي كاميرا خفية مبتهجاً لأنه تعرض للضرب، من طرف واحد من ضحاياه. بعض المشاهدين يحتجون من هذه العروض، لكن بالاقتراب منها، سنجد أن أرقام المشاهدة تتعدى عشرات الآلاف، في وقت قياسي.

هل بات الجزائري يعتبر العنف فكاهة؟ إذا لم يتحرر من غضبه في ملاعب الكرة، سيجد هامشاً لذلك في مشاهدة برامج الكاميرا الخفية. 

بين ضعف مخيلة كتاب السيناريو، وأسلمة البرامج، حيث يطغى الحجاب على الإبداع، والعنف المبتذل في برامج الكاميرا الخفية، التي لا تخلو من مشاهد هدم أستديو أو الاعتداء على واحد من المُنشطين، تطل علينا الكوميديا في بلاد بلا نكت، لتعبر عن ركاكة الواقع المعيش، وفشل الجزائري في إضحاك مواطنيه.

2018-05-26 2018-05-26
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

هيئة التحرير
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE
error: حقوق المادة محفوظة ممنوع النقل