الجزائر: هذه هي المهزلة الحقيقة باعتراف المسؤولين عن الانتخابات التشريعية الجزائرية… ؟ (فيديو خطير)

آخر تحديث : الجمعة 5 مايو 2017 - 10:28 مساءً
النخبة : متابعة

في الصباح المصادف للرابع مايو/أيار 2017، ارتدى محمد ملابسه الرثة وعدّل قبعته الملطخة بالأسمنت على رأسه، واعتلى سلماً حديدياً وانهمك في عمله. ما أثار استغرابه، هو ضجيج الأطفال بالحي في وقت يفترض بهم أن يكونوا بقاعات الدرس، لقد نسي أن الخميس هو يوم عطلة مدفوعة الأجر لأنه يوم التصويت في الانتخابات التشريعية.

لم يبدِ محمد اندهاشاً كبيراً ونحن نخبره أن عملية التصويت قد انطلقت منذ ساعتين، فرد قائلاً “شد انتباهي هذا الجو غير المعتاد، ولكن الانتخابات لا تهمني أنا ولا يصوت إلا أصحاب المصلحة”.

اشترك محمد في عدم الاهتمام بالاستحقاقات التي بدلت فيها الحكومة جهوداً كبيرة لإقناع الناخبين بالتصويت، وكان أحد الـ15 مليون جزائري الذين فضلوا المقاطعة. ليكون عدد المصوتين 8 ملايين ناخب من أصل 233 مليوناً.

الملل سيد مكاتب الاقتراع

في حدود الساعة الحادية عشرة صباحاً، من يوم التصويت، اتصلت “هاف بوست عربي”، بعادل شاب تخرج السنة الماضية من الجامعة ومازال يبحث عن عمل، وقد سنحت له فرصة الانتخابات أن يشتغل كمراقب في أحد مكاتب الاقتراع بولاية جيجل شرق البلاد.

أخبرنا عادل، أن المكاتب أوراق المترشحين مازالت على حالها، وقال “لم يأتنا إلا شيخ طاعن في السن وعدد من العساكر جاؤوا من الثكنة المجاورة”، مضيفاً “المكتب المخصص للنساء، توجد في السجل 437 امرأة، صوتت 7 نساء منهن لحد الآن”.

وكانت القوانين الجديدة المنظمة للانتخابات قد نصت على تصويت عناصر الجيش الوطني الشعبي في مراكز المدنيين، حرصاً على النزاهة ومصداقية العملية الانتخابية، وهي المرة الأولى منذ الاستقلال التي يصوت فيها أفراد الجيش مع المواطنين.

وبينما كان هاشتاغ “مانسوطيش”، يجوب صفحات فيسبوك وتويتر، خرج وزير الداخلية والجماعات المحلية نورالدين بدوي، ليعلن عن نسبة المشاركة إلى غاية الساعة العاشرة صباحاً والتي لم تتعد 4.13 بالمائة.

هذه النسبة أكدت، أن حملات المقاطعة التي احتلت مواقع السوشيال ميديا بشكل واسع وغير مسبوق وشهدت عدم اهتمام الجزائريين وخاصة الشباب منهم، بدأت تقطف ثمارها الأولى، وأن الحزب المسمى “الأغلبية الصامتة” يسير نحو الفوز.

حالة السكون داخل مكاتب الاقتراع، انعكست بشكل واضح على الأجواء في الشوارع، حيث تخلصت طرقات العاصمة من الاكتظاظ وتنفست من ضغط السيارات وطوابيرها اللامنتهية وشفيت مؤقتاً من صداع المنبهات.

قلة الزحمة المرورية جعلت من التنقل بين بلديات العاصمة أمراً في غاية السهولة، وما هي إلا دقائق حتى وصلنا مركز اقتراع ببلدية الكاليتوس بالعاصمة، أكبر بلديات البلاد من حيث عدد السكان، وكانت الساعة تشير وقتها إلى السادسة مساء.

أطلعنا مراد، الذي اشتغل في هذا اليوم كمساعد لرئيس المكتب، على تصويت 101 مواطن من أصل 450 مسجلين في قائمة مكتبه، وقال “إنها نسبة ضعيفة لم تتجاوز الـ17 بالمائة”.

وأوضح بشأن أكثر فئات المجتمع إقبالاً على التصويت “كالعادة إنهم الشيوخ، إنهم أوفياء لأحزابهم وموعد الاقتراع”.

وصعدت نسبة المشاركة إلى 15.58 بالمائة على الساعة الثانية زوالاً و33.53 بالمائة على الساعة الخامسة بعد الزوال، ولحصد مزيد من الأصوات قررت وزارة الداخلية تمديد فترة الانتخاب بساعة بعدما كان مقرراً مباشرة عملية الفرز على السابعة.

لا مبالاة.. وكل شيء منتظر

في أحياء بلدية الكاليتوس، كانت بادرة الحديث بين المواطنين هي السؤال التالي: فوطيت؟ (هل صوت) ولم يكن صعباً معرفة من فعل ومن لم يفعل، لأن أثر الحبر الأسود على سبابة اليد اليسرى يظل لوقت طويل، وكان واضحاً أن الأغلبية لم تفعل.

بدا واضحاً أن الشباب كانوا أكبر المقاطعين وغير مبالين بهذا الموعد الذي حبس أنفاس الأحزاب، من خلال منشوراتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعبر صفحات الجرائد والمؤسسات الإعلامية التي نقلت عنهم أسباب ودوافع العزوف.

التقينا، بمركز الاقتراع بذات البلدية، بشاب بقصة شعر مشابهة لمشاهير كرة القدم، وكان الملل بادياً عليه “إني أنتظر بفارغ الصبر وصول الثامنة، قتلني الضجر، يا له من يوم طويل”، يقول محدثنا واسمه عماد.

عماد يحمل صفة مراقب انتخابات لصالح حزب يجهل اسمه، وقال أنه جاء إلى هنا بسبب معزة خاصة لصديق له، “وإلا ما كنت لأقحم نفسي في السياسة”، يضيف الشاب.

ونقلت كاميرا قناة النهار الخاصة أمثال عماد الذين يجهلون أسماء قادة الأحزاب الذين يشتغلون لصالحهم، وأن ما يهمهم فقط هو المبالغ المالية التي تناهز 70 دولاراً في اليوم.

نسبة ضئيلة.. أرقام ضخمة

بعد يوم شاق، استغرقته الأحزاب في إحصاء الأصوات التي تحصلت عليها، بدأت صفحات مواقع التواصل في نقل تهاني الأحزاب الفائزة بالمقاعد بمختلف الولايات، وتشكيك أحزاب المعارضة في التزوير.

وداخل إحدى قاعات الصرح المعماري الضخم المتمثل في المركز الدولي للمؤتمرات، اصطف العشرات من الصحفيين الجزائريين والأجانب، صباح اليوم 5 مايو/أيار 2017، منتظرين جلوس وزير الداخلية والجماعات المحلية نور الدين بدوي أمام الكاميرات.

عكس التوقعات الأخيرة التي تحدثت عن 40.2 بالمائة، قطع الوزير بدوي الشك باليقين وأكدأنها لم تتجاوز 38.5 بالمائة، مفيداً بأن 8 ملايين ناخب من أصل 233 أدلوا بأصواتهم. ، فيما كانت نسبة المشاركة في انتخابات 2012 42.36 بالمائة.

هذه الحصيلة الضئيلة تقابلها أرقام ضخمة، حيث تقدر نسبة المقاطعة 61.75 بالمائة، وبلغ عدد المقاطعين أكثر من 14 مليون مواطن مسجل في العملية الانتخابية.

فعلتها الأغلبية الصامتة ولا أغلبية في البرلمان

لم يتوقف نفور الجزائريين من الانتخابات البرلمانية، عند العزوف عن الاقتراع، فعدد كبير من المصوتين وضعوا الورقة البيضاء في الصندوق، ولم يكشف وزير الشؤون الداخلية عن عدد هذه الأصوات.

فاز حزب جبهة التحرير الوطني وحزب التجمع الوطني الديمقراطي المواليان للنظام، لكن دون أغلبية مطلقة، ما يعني أن الرئيس بوتفليقة لن يستشير أياً منهما عند تنصيبه للوزير الأول المقبل.

وينص دستور البلاد، على أن يستشير رئيس الجمهورية حزب الأغلبية البرلمانية، عند تعيينه للوزير الأول، وفوز حزب جبهة التحرير الوطني بـ164 مقعداً لا يؤهله لامتلاك الأغلبية المطلقة لأنه لم يحقق النصاب اللازم.

وعبر أحمد، شاب عشريني، عن رأيه في النتائج النهائية قائلاً “كما كان متوقعاً حصد جبهة التحرير الوطني المرتبة الأولى والمصيبة أنه سيواصل حكمنا لـ100 سنة قادمة مثلما قال زعيمه جمال ولد عباس”.

وكانت نهاية الانتخابات التشريعية في الجزائر، حدثاً عادياً بالنسبة لمحمد الذي يرى فيها خلاصاً من مشقة سماع أسطوانات الحملة الانتخابية المملة، وترقية اجتماعية للنواب الجدد لا أكثر ولا أقل.

2017-05-05
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

هيئة التحرير
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE
error: حقوق المادة محفوظة ممنوع النقل