أعلام عربية: في ذكرى وفاة المرحوم العلامة “الشَّيْخ أبي القاسِم أحمد بن أبي عبد الله محمد الغُولْ” حفيده يكتب في ذكرى جده وأبيه!!

هو العلاَّمة الشَّيْخ أبي القاسِم أحمد بن أبي عبد الله محمد الغُولْ بن عيسى بن داود بن عبد الرحمان بن علي بن محمد بن الوَلِيْ الصالح سيدي محمد السباعي، دفين السْمارة بالساقية الحمراء، بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن علي بن الولي الصالح عمر، دفين أولاد الحاج، بن أحمد بن ناصر بن عمر بن الولي الصالح عبد الله، دفين سيدي بوجيدة بفاس، بن الولي الصالح الحاج سيدي محمد بكريبة، دفين باب أغمات بمراكش، بن زَيْدان بن خالد بن يحيى بن رابح بن العباس بن عطاء الله بن عبد الرحمان بن محمد بن أحمد بن عيسى بن عبد الوهاب الأصغر إبن إبراهيم بن يوسف بن عبد الوهاب الأكبر بن عبد الكريم بن الولي الصالح محمد، دفين جَبَل العَلَم، بن القطب الرباني سيدي عبد السلام، دفين جَبَل العَلَم، بن مْشِيشْ بن الولي الصالح أبي بكر، دفين قرية عين الحديد، بن الولي الصالح علي، دفين أُوجَى شمال المغرب، بن حُرْمَة الله بن الولي الصالح عيسى، دفين قرية بوعمَار شمال المغرب، بن عبد السلام بن الولي الصالح أحمد الوزوار، دفين حجر النسر شمال المغرب، بن حَيْدرة بن محمد بن إدريس الأزهر بن إدريس الأكبر بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن فاطمة الزهراء إبنة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

عَالِم فَقِيه طبيب أستاذ علوم الرياضيات،  تَوَلَّى القضاء في قبيلة فشتالة كما مارس التدريس في جامعة القرويين توفي رحمه الله سنة 1059هـ الموافق ل1649م، وأول ما ورَد إسمه في الوثائق الرسمية المتوفرة لدينا، في ظواهير التوقير والإحترام المصنفة تحت الظهير الشريف رقم واحد، يعود للدولة السعدية (عمره 600 سنة) وصادر في فترة حكم السلطان السَّعدي المعتصم بالله عبد الملك (983- 986 هــ1576-1578م)، وهو شاب في مقتبل العمر حديث التخرج من جامعة القرويين عن عمرِِ لا يتجاوز العشرين وإبن للعلاَّمة الشيخ العارف بالله سيدي محمد الغول، (سُمِّيَ بالغُولْ لتمكنه وتَغَوله في كثير من العلوم كواحد من العلماء البارزين والفقهاء الكبار) كان يخاطبه السلاطين من خلال الظهائر السلطانية.

في ترجمة لأحد المؤرخين الغربيين لكتاب ” الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس” لصاحبه المؤرخ المغربي علي إبن أبي زرع الفاسي سنة 1326م، وإختصره في وقت لاحق صالح بن عبد الحليم الغرناطي، وهو من المراجع القيمة في تاريخ المغرب في العصور الوسطى، يُعرف من خلاله الفقيه سيدي أحمد الغول بالشخص العالم، المُتَمَكن والمتضلع في علوم الدين، كما يقول سيدي عبد الرحمان الفاسي في كتاب” صفوة من انتشر من أخبار صلحاء القرن الحادي عشر” للإيفراني في وصفه قائلاً إنه غُول إبن غُول التي تعود لوالده سيدي محمد الغول المتوفى سنة 1021هـ  الموافق ل1612م، والذي كان يشغل قيد حياته  منصب كاتب أسرار السلطان المنصور الذهبي.

في أحد مقالات الدكتور “جمال بامي” الباحث المتخصص في التاريخ عرف أبو القاسم أحمد الغول الفشتالي في حلقة رائعة من “ علماء وصلحاء ” (عدد 74) بعالم طبيب نباتي من العصر السعدي صاحب كتاب “حديقة الأزهار في ماهية العشب والعقار”، وهو من أهل فاس، وكان طبيب ماهر، اختص به السلطان أحمد المنصور الذهبي فصيره من أطبائه وقربه إليه، كما قال عنه المقري في “نفح الطيب” : “العَلَم الجليل علما وقدرًا العلامة المتفنن، ذو التآليف المفيدة والعلم الغزير الفقيه، وفي حق كتابه (السابق الدكر وهو المعروف كذلك بكتاب” الأدوية المفردة”)  كتاب في بابه لم يُأَلَّف مِثْله، يذكر سائر الأعشاب والعقاقير بما سميت به في الكتب، ثم يذكر اسمها بلسان العامة، ثم يذكر خواص الأعشاب على وجه عجيب وأسلوب غريب، و لأبي القاسم كتاب ثان هو “شرح على نظم ابن عزرون في الحميات” الذي ذيَّل به أرجوزة إبن سينا في الطب، وألف كذلك كتاب أخر سماه: “مغني الطبيب”قام أبو القاسم الغُول شخصياً  بترجمته بأمر من السلطان أحمد المنصور الذهبي، وكان أبو القاسم الغول على دراية باللغات الأجنبية، ولعلها اللاتينية القديمة والبرتغالية والإسبانية ( عبد الله كَنون جريدة الميثاق، عدد 266).

يقول عبد الصمد العشاب في مقاله “مساهمة علماء المغرب في ميدان الطب والتطبيب” (مجلة التاريخ العربي عدد: 15): “ألَّفَ أبو القاسم أحمد الغُول الفشتالي في الهندسة والحساب كتبا منها ” منظومة المخمس الخالي الوسط “، وشرح نصوص في كيفية قسم الماء لقواديس الديار، أما في علم الطب فنشير إلى ما ألَّفه فيه، منها” منظومة في الجمع بين الأحاديث النبوية وكلام الأطباء والحكماء في الطواعين والأوباء”، وكتاب “حافظ المزاج ولافظ الأمشاج بالعلاج “(مخطوط الخزانة الوطنية رقم د- 1602) وهذا الكتاب عبارة عن منظومة رجزية تقع في نحو خمسمائة وألف بيت، مرتب على أربعة وعشرين بابا، فيها الحديث عن وجع الرأس والشقيقة والزكام والقروعة وجرب الرأس وداء الثعلب، وختم بالباب الرابع والعشرين الذي تحدث فيه عن أنواع الأشربة والمربيات والأدهان والأوزان والمقادير.

كما ذكر العلامة المرحوم سيدي محمد المنوني في كتابه “منتجات من نوادر المخطوطات” (منشورات الخزانة الحسنية، 2004ص: 193) أرجوزة أبو القاسم أحمد الغول في الطب ضمن مخطوطات الخزانة الحسنية ( رقم 3620).

يقول سيدي عبد الله كنون في النبوغ المغربي في الأدب العربي الأصيل  (ج.1، ط 2: 1960ص: 255): هو أبو القاسم أحمد المعروف بالغول الفشتالي، الفقيه القاضي المتطبب المشارك في كثير من التعاليم، له رسالة في الطواعين، ونظم جيد في الطب، ورسالة في كيفية قسم الماء لقواديس الديار، وغير ذلك، توفي سنة  1059هـ من خلال كل هذا وغيره نستطيع معرفة البيئة العلمية والثقافية التي نبغ فيها أبو القاسم أحمد الغول الفشتالي، وكذلك المكانة الكبيرة لأبيه في قلوب أهل فاس خاصة وشمال المغرب عامة من خلال مقطع جد معبر من الحَضْرَة المغربية الأصيلة وهو نوع من المديح الراقي جدا الذي يجمع ما بين روعة المعنى وجمال المبنى :

سِدِي امْحَمْدْ الغُولْ مُولْ الشَّاقُورْ المَاضِي

سِيدِي عَايْشْ فْالدْهَارِي لاَ حَدْ مْعَاهْ.

لا أجد خير من هذه الأبيات التي ثمتل مطلع القصيدة النثرية الشعرية التي ألفتها حبا وإكراما  لجدي سيدي أبو القاسم أحمد الغول كخاتمة لهذا المقال:

نَسَمْتُ مِن رُوحِ  جَدِّي نَسْمَة مُحَمَّدِيَّة

فَمَلَئَتْ حَيَاتِي بَسْمَةً وَسَعادةً أَبَدِيَّة

فاجْتَزَأْتُ مِنْهَا مَا اسْتَطَعْتُ قُوَّةً وَرَاحَة نَفْسِيَّة

أتْمَرَتْ رُشْدًا رَاشِداً وهِمَمًا عَلَيَّة

تشِعُّ طُمُوحاً إِجْتِهَادًا سَكِنَةً وَمَحُبًّة فُصُولها وَرْدِيَّة

تَنْمُو بِبُسْتَانِ جَدِّي وَتُزَيِّنُهُ بِأَلْوَانِهَا البَهِيَّة

عَلى جَنَبَاتِهِ أبْصَرت بِعُيُونٍ دَامِعَةٍ حَزِينَةً قِمَماً عَالِيَّة

حِجَارَتها بُرْكَانِيَّة مِنْ أُصُولٍ غُولِيَّة

طَبِيعَتُهَا جَبَلِيَّة وَخُصُوصِيَّتهَا مرْڭَاوِيَّة

مَقَابِرًا لِرِجَالٍ  وَنِسَاءٍ  تَقِيَّةٍ عَن النِّسْيَانِ أَبِيَّة

مُحَاطَةٍ بِزَرَابِي مِنْ وُرُودٍ بَنَفْسَجِيَّة

تَسْتَظِلُّ بِظِلِّ حَدَائِقٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَرُمَّانٍ وأَشْجَارِ زَيْتُونٍ شَرْقِيَّة وَغَرْبِيَّة

جُعِلَتْ لِعَابِرِ السَّبِيلِ مَقْصداً ومَحَطَّة رَسْمِيَّة

ولِفَقِيرِ الرُّوحِ زَادًا وَلِطَلاَّبِ العِلْمِ أَلْوَاحًا خَشَبِيَّة

لِصَدْعِ جِرَاح القُلُوبِ التِي أضْحَتْ فَرِيسَة حَتْمِيَّة

فِي مَرْمَى جُبْنٍ وغُبْنٍ وجَهْلٍ حَالِكٍ أَسَّوَادٍ وَجَاهِلِيَّة

أَحْبَبْتُ نَظَرَاتَ جَدِّي فِي قَبْرِهِ

وَتَحِنَّتُهُ إِلَى أَوْطَانِهِ

وتَشَوُّقهُ إلى إخْوَانِهِ

وَبُكَاؤُهُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ زَمَانِهِ

فَسَاقَتْ الأقْدَار لِلْعَالَمِينَ  رِيحَ جَدِّي وأخْبَارهِ

تحْكِي عَنْ عَلاَّمَّة عَنْ غُولٍ مُتَمَّكِّنٌ مِن عِلمِهِ

مُهَنْدِس وفقيه مُتَغَوِّلٌ في فِقْهِهِ

وَلاَّهُ السُّلْطَان المَنْصُور الذَّهْبِي قاَظِيًا إبَّان حُكمِهِ

بِقَبِيلَة فشْتَالَة تَرَكَ قَصَائِداً تَتَغَنَّى بِحِنْكَتِهِ وَعَدْلِهِ

وَمَوْرُثْ تَقَافِي غَنِيُّ عَنِ التَّعْرِيف يَرْوِي أَهَمَّ إِنْجَازَاتِهِ

وَظَهَائِرٌ شَرِيفَةٌ مُنْذُ تَخَرُّجِهِ حَتَّى وَفَاتِهِ

تُوَثِّقُ لِحُبِّهِ وَتَفَانِيهِ وَتَقْدِيرِهِ لِجَسَامَةِ المَسْؤُلِيَّة قَيْدَ حَيَاتِهِ

وَظَهِيرٌ شَرِيفٌ مِنْ سِتُّمِائَة عامٍ مَضَتْ عَنْ وَفَاتِهِ

خَاطَبَهُ السُّلْطَانُ مِنْ خِلاَلِهِ

وَعَيَّنَهُ طَبِيبًا رَئِيسِيًّا مُشْرِفًا عَلَى تَطْبِيبِهِ

وَمُأْتَمَن عَلَى كِتَابَةِ أَسْرَارِهِ

فِي جَامِعَة القَرَوِيَّين أَثْبَتَ عُلُوَّ كَعبِهِ

فَكَانَ طَالِبَ عِلْمٍ مُتَفَوِّقٍ بِشَهَادَة أَسَاتِدَتِهِ

وَنَالَ شَرَفَ التَّدْرِيسِ رَغْمَ صِغَر سِنِّهِ

وَأَرَّخَهُ المُؤرِّخُونَ كَوَاحِد مِنْ كِبَار عُلَماَءِ قَوْمِهِ

سِيدِي أَحْمَد الغُولْ دَخَلَ التَّارِيخَ مِنْ جَمِيعِ أبوابِهِ

مُبْدِعٌ في أرْجُوزَة طَبِيبٍ عَاِرفٍ بِزَمانِه

مُتَصَوِّفٌ مُتَدَّبِّرٌ فِي كِتَابِ ربِّهِ

مُنْظَبِطٌ لِتَعَالِيمِ دِينِهِ

مُحِبٌّ مُتَتَبِّعٌ لِسُنَّةِ نَبِيِّهِ

مُحَافِظاً عَلى مَوْرُوثِ شُيُوخِهِ

دَفِين السْمَارَة بِالسَّاقِيَّة الحَمْرَاء جَدِّ أجْدَادِهِ

وَبِسِيدِي بُوجِيدَى بِفَاس مَسْقِطَ رِأْسِهِ

وبِبَاب أغْمَات بِمُرَّاكُش عَاشَ أبَائِهِ

لَيْسَ بِقَرِيبٍ فِي التَأْرِيخِ وِلاَ فِي الزَّمَنِ

لَكِنَّهُ مُتَرَبِّع فِي القَلْبِ وَالرُّوحِ وَأنِيسٌ فِي المِحَنِ

ومَنْبَعٌ لِلْإِجْتِهَادِ وَالنُّبُوغِ وَالرُّقِيِّ وَرَافِعٌ لِلْهِمَمِ

وَدَاعِيَّةٌ مِنْ دُعَاةِ العِلْمِ وَالحُبِّ فِي الله وَالسِّلْمِ وَالسَّلَمِ

مُبْدِعًا مُتَشَبِّتًا مُوقِنًا مُؤْمِنًا بِالوَطَنِ

قُدْوَة حَسَنَة فِي الإِنْتِمَاءِ وَالوَلاَءِ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ

فَكَانَ كُلُّ مَا أَبُوحُ به أَحَاسِيسٌ جَيَّاشَة في غَيَاهِيبِ النِّسْيانِ

حَقِيقة تنْقَشِعُ وتتَلاشَى بِها أحْزانِي

أَعِيشُها كَحُلم في يَقَضَة يَهُزُّ كِيَّاني

وَيَقَضة في حُلْم يَلْمَسُها وِجْدَانِي

أَلِفْتُ فَرْحَتِي وَأَحْلاَمِي لِحَيْتُ طَرَقَتْ بَابَنَا الأَشْجَانِ

بَاحَتْ نَظَرَاتِي لِلْحَاضِرِينَ بِهَوَاه حِينَهَا وَبَكِيتُ يَوْمَ فارقنا الخِلاَّنِ

عَلَى نَاصِيَّة وِسَادَتِي أَلْقَاهُ فَجْراً وَيَلْقَانِ

يُعَزِّينِي مُبْتَسِمًا لاَ تَحْزَنْ لِفِرَاقِ الحَبِيبِ وَاسْلُكْ طَريقَ الإِحْسَانِ

يُرشِدُني وَهُو فِي قَبْرِهِ طَريقَ نور الهدى  نَبَاتُه مِن الرَّيْحَانِ

فَلم تَعد تُطربُني عُطُور الأحْيَاء كُلّهَا كَقَصِيدَة طَالَها النِّسْيَانِ

ولم تَعُدْ تُغْرِينِي الحَسْنَاءُ كَعادَتِها فَجَمالها مَعركة سِلاحُها رَبَّانِي

أنا الذي عشت الشيخوخة أيام الصبَى فأصبحت جداً وقُوراً للصبْيانِ

وأنا الذي خبرت دروب الحياة فاسْتَسْهَلْتُهَا كَاسْتِسْهَالِ صَيْدِ صِغَارِ النُّسُورِ لِلْجِرْدَانِ

أهْفُو وَلاَ أمْضِي لِما يعيبني ولاَ أَتَحَجَّجُ بِالنِّسْيَانِ

فروح جدي وحبه ودعائه بِدُعَاءِ القُرآنِ

وتَضرُّعِهِ لِرَبِّ العالمين سِتْرٌ وحِجَاب مِنَ الشَّيْطَانِ.

 

الاستاذ رشيد الغولي – مدريد اسبانيا

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.