من هنا انتشرت الكوليرا في الجزائر.. حالة الطوارئ تعم المكان والمواطنون يقاطعون مياه الحكومة والخضر والفواكه، ويشككون في رواية السلطات

هيئة التحرير27 أغسطس 2018آخر تحديث : منذ 12 شهر
من هنا انتشرت الكوليرا في الجزائر.. حالة الطوارئ تعم المكان والمواطنون يقاطعون مياه الحكومة والخضر والفواكه، ويشككون في رواية السلطات
رابط مختصر
شارك على:
من هنا انتشرت الكوليرا في الجزائر.. حالة الطوارئ تعم المكان والمواطنون يقاطعون مياه الحكومة والخضر والفواكه، ويشككون في رواية السلطات

الطريق نحو مدينة عين بسّام بولاية البويرة شرق الجزائر تكسوه الخضرة على جانبيه، فالأرض هناك تُعد موطناً لزراعة البطاطس والكروم وبعض الخضراوات المعروفة بها المنطقة، ولا تكاد ترى أرضاً جرداء على الإطلاق.

لا يبدو لك من الوهلة الأولى، أن تكون هذه الطريق المليئة بأمل الأخضر وزهر البطاطا البيضاء تحولت إلى مصدر لوباء الكوليرا، ومنها انطلق لينتشر في العديد من مدن الجزائر، ففي 11 أغسطس/آب 2018، تم تسجيل أولى حالات الكوليرا بمنطقة عين بسام، وقيل حينها إن فيروساً مجهولاً يقتل الناس هناك.

وهذا قبل أن تأتي وزارة الصحة بعدها بنحو أسبوعين (24 أغسطس/آب 2018)، لتؤكد أن الحالات المسجلة في البويرة وعدد من الولايات الأخرى هي للكوليرا، وهو ما أربك المواطنين وجعلهم يعيشون حالة من الهلع.

«الكوليرا» حديثهم هنا

بمنطقة تدعى «بئر غبالو»، وتعد بوابة مدينة عين بسام، يجلس 3 مواطنين يظهر أنهم في العقد الرابع من عمرهم، يتبادلون الأحاديث أمام حقل مختص في إنتاج البطاطا، سألناهم عن عين بسام، فردَّ أحدهم: «الناس تهرب منها وأنت تسأل لدخولها!».

وردَّ الآخر: «ألم تسمع بالكوليرا التي ضربت عين بسام؟ إن لم تكن مضطراً إلى دخول المدينة فعُد أدراجك خير لك».

واصلنا المسير رغم النصيحة، فوجدنا مقهى بمَخرج بئر غبالو، فدخلناه ولا يكاد حديث الاثنين يخلو من مرض الكوليرا؛ بل وفوق ذلك، فالمقهى وفَّر بمدخله مكاناً لغسل الأيادي بالماء والصابون لكل الوافدين إليه.

وقال شاب في الثلاثينيات من عمره، إن المكان المخصص لغسل الأيدي لم يكن موجوداً من قبلُ، وخصصه صاحب المقهى بعد انتشار داء الكوليرا، والتخوف من انتشار العدوى.

%D8%B9%D9%8A%D9%86 %D8%A8%D8%B3%D8%A7%D9%85 - النخبة

بمنطقة بئر غبالو، وتعد بوابة مدينة عين بسام انتشر الوباء
حالة الطوارئ تعم أرجاء المدينة

ولجنا مدينة عين بسام وسط النهار.. الحركة بطيئة، والشوارع شبه خالية، وحتى المقاهي والمطاعم مغلقة عن آخرها، ولا أطفال يلعبون، ولا شباب مجتمعون إلا في حالات نادرة.

على طول الطريق الرئيسي الذي يتوسط أحياء سكنية بعمارات وبعض الحدائق، تقوم شاحنة تابعة لمصالح بلدية عين بسّام بحملة تنظيف واسعة، باستعمال الماء والمواد المطهرة، وعلى رأسها حجر الجير ومادة الكلور.

يؤكد منير ملوك، عامل ببلدية المدينة، أن العملية تعد السادسة من نوعها منذ إعلان وزارة الصحة تسجيل حالات للكوليرا بالمنطقة.

%D8%AD%D9%85%D9%84%D8%A9 %D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%81 1 - النخبة

تقوم مصالح البلدية بحملة تنظيف واسعة، باستعمال المواد المطهرة

وقال لـ»عربي بوست»: «نقوم من الصباح وحتى المساء بتطهير شوارع المدينة، بالاستعانة بصهاريج البلدية وبعض الخواص، من أجل تنظيف المدينة، وإزاحة كل القاذورات، والمجاري المائية، والبقع المتسخة».

حتى إن المواطنين سخّروا جهدهم بالكامل في تنظيف المحيط ووضع الجير على مداخل بيوتهم؛ خوفاً من تسلل الميكروب، الذي قتل شخصاً من حي عراض القريب منهم قبل أيام.

وأكثر من 500 شخص يقومون بالمعاينة الطبية يومياً

المؤسسة الاستشفائية الوحيدة على مستوى بلدية عين بسّام هي الأخرى أعلنت حالة الطوارئ؛ بسبب الكم الهائل من المواطنين الذين يقصدونها بشكل يومي للمعاينة الطبية والتأكد من سلامتهم.

ويقول رئيس مصلحة الاستعجالات بمستشفى عين بسام، نور الدين إيلافي، إن عدد المواطنين الذين اقتربوا من مصلحة الاستعجالات لأخذ فحوصات منذ 24 أغسطس/آب 2018، بلغ زهاء 1500 مواطن، أي بمعدل  500 شخص في اليوم.

وأكد أن الحالات التي سُجِّلت بالمستشفى، والتي كانت تحمل الميكروب، كان عددها 11 حالة، تم تحويل عدد منها إلى مستشفى الأمراض المُعدية في بوفاريك بالبليدة، وذلك بعد أخذ العينات وتحليلها بالمخابر المختصة.

ويؤكد الدكتور إيلافي أن المواطنين في عين بسام أصابتهم فوبيا من المرض، «بدليل أن كل من يؤلمه بطنه، أو أمعاؤه بسبب لحم العيد، ينتقل على جناح السرعة إلى مصلحة الاستعجالات؛ خوفاً من الكوليرا».

الظاهرة ينظر إليها إيلافي من الجانب الإيجابي، فهناك ضغط رهيب على المستشفيات، التي تعاني بدورها نقصاً في اليد العاملة بسبب فترة العطل، لكنّ توافد المواطنين بهذه الأعداد سيساعد في تطويق الداء، وتشخيص الحالات، فالمصاب الواحد قادر على أن ينقل العدوى لأكثر من 25 فرداً.

وقاطَعوا مياه الصنابير والفواكه والخضراوات

في عين بسام، لا ترى مطعماً ولا مقهى مفتوحاً، وحتى بائعو الخضر والفواكه أصبحوا يُعَدون على رؤوس الأصابع.

دخلنا محلاً لبيع المواد الغذائية العامة بالقرب من المسجد المركزي، وسؤال عدد من الزبائن يقتصر على الماء المعدني المعبأ وما إذا كان موجوداً، فالكميات التي تصل في الصباح الباكر من كل يوم لا تكفي جميع الطلبات.

ويؤكد صاحب المحل، في حديثه لـ»عربي بوست»، أن المواطنين قاطعوا مياه الصنابير، فمنذ الوهلة الأولى من إعلان وزارة الصحة ثبوت اكتشاف فيروس الكوليرا، والجميع باتوا يقتنون المياه المعبأة، ما جعل الكمية التي تصل إلى المحلات غير كافية.

يحدث ذلك رغم أن المصالح الجزائرية للمياه سبق أن طمأنت السكان بكون مياه الصنابير صالحة للشرب وخالية من جرثومة الكوليرا.

وقال عبد السميع بن طيب، من المجلس المنتخب، لـ»عربي بوست»: «إن مصالح الإدارة الجزائرية للمياه تحدثت عبر أمواج الإذاعة المحلية، ونشرت إعلانات تؤكد خلو مياه الحنفيات من جرثومة الكوليرا، إلا أن المواطنين ما زالوا مصابين من فوبيا هذا المرض».

هذه الصورة غير مقتصرة على عين بسام وولاية البويرة؛ بل امتدت إلى كل الولايات التي مستها جرثومة الكوليرا، كالعاصمة، والبليدة، وتيبازة، وبومرداس.

المقاطعة بهذه الولايات لم تكن لمياه الصنابير وحسب؛ بل مست أيضاً بعض الخضر والفواكه، خاصة بعد انتشار إشاعات تشير بالبنان إلى تورط فلاحين في سقي منتجاتهم بالمياه القذرة.

فمحمود دراجي، مواطن من بلدية عين بسام، يؤكد لـ»عربي بوست»، مقاطعته النهائية للعنب والبطيخ الأصفر والأحمر، فانتشار حقول هذه المزروعات على ضفاف بعض الأودية جعل الكثيرين يعتمدون على مياه عكرة في سقيها.

ويؤكد البروفيسور سليمان آيت علي، رئيس قسم الأمراض المعدية بمستشفى القطار، أنَّ سقي الخضراوات والفواكه، خاصةً مادتي الدلاع والبطيخ الأصفر بالمياه القذرة والملوثة، قد يتسبب في ظهور بؤر الكوليرا.

والدولة تقوم بحملة لإقناعهم بسلامة المياه

لم تنفع الإجراءات الدعائية التي اتخذتها شركات توزيع المياه بالجزائر، خاصة «سيال» و»الجزائرية للمياه»، في إقناع المواطنين بسلامة المياه التي تصل إلى صنابيرهم، وخلوها من جرثومة مرض الكوليرا.

وهو الأمر الذي جعل المنظمة الوطنية لحماية المستهلك، بقيادة الدكتور مصطفى زبدي، تضع برنامجاً ميدانياً يمس جميع الولايات التي مستها الكوليرا، ومن ضمنها مدينة عين بسام، التي لم يشرب مواطنوها مياه الصنابير منذ إقرار وزارة الصحة باكتشاف المرض.

ويؤكد مصطفى زبدي، رئيس المنظمة، في تصريح لـ»عربي بوست»، أن «المنظمة لن تبقى مكتوفة الأيدي أمام هذه المعضلة، وقد قامت بوضع خطة عمل للتقرب من المواطنين وتقديم نتائج التحاليل التي أقيمت على مياه الحنفيات بالتنسيق مع معهد باستور المختص في التحاليل المخبرية».

واعترف المتحدث بتوسُّع بؤرة مقاطعي مياه الصنابير على مستوى الولايات التي مسها المرض رغم تطمينات الشركات المختصة بالتوزيع، وكذا السلطات المحلية، ووعد -كما قال- بـ»وقوف المنظمة في صف المستهلك، والسعي للحفاظ على صحته أولاً وقبل كل شيء».

والظاهر أن مهمة الإقناع ليست سهلة كما يؤكد عبد اللطيف، المواطن من عين بسام لـ»عربي بوست»، فالقضية في نظره هي حياة أو موت، «وما دامت السلطات لم تكشف عن مصدر الجرثوم في مدينتهم فهذا يعني أن كل الاحتمالات تبقى واردة».

وظهرت المضاربات في أسعار المياه المعلَّبة

أمام حالة الفوبيا الحادة التي أصابت معظم سكان الولايات التي وصلت لها الكوليرا بالجزائر، انتهز بعض التجار الفرصة لرفع أسعار المياه العذبة المعبأة في الدلاء أو القوارير.
ففي مدينة عين بسام، وصل سعر قارورة من الماء، ذات سعة 1.5 لتر، إلى 50 ديناراً جزائرياً (0.3 دولار)، بعدما كانت سابقاً بسعر 30 ديناراً جزائرياً (0.1 دولار)، ويتعدى ذلك من محل إلى آخر، حسب تصريحات المواطنين.

وقد وصف رئيس المنظمة الجزائرية لحماية المستهلك هؤلاء بـ»التجار الصعاليك، الذين يصطادون في المياه العكرة، وينتهزون ألم الشعب في أرباحهم»، مطالباً الحكومة بتكثيف الرقابة وفرض عقوبات على من يتلاعب بالمواطن في هذه الظروف.

قضية رفع أسعار المياه المعبّأة توسعت لتشمل كل الولايات التي مستها الكوليرا، ونقل الإعلام المحلي في الجزائر صوراً صوتية لمواطنين شجبوا رفع الأسعار بهذه الطريقة رغم تطمينات مدير الصحة بولاية البليدة.

إلى ذلك، انتقد نشطاء شبكات التواصل الاجتماعي رفع التجار الأسعار، واستغلال ظروف المرض.

في 25 أغسطس/آب 2018، أعلنت وزارة الصحة بالجزائر اكتشاف مصدر فيروس مرض الكوليرا، من خلال اكتشاف منبع ملوّث في منطقة سيدي لكبير التابعة لبلدية أحمر العين بولاية تيبازة غرب العاصمة، حيث قامت بردمه نهائياً.المواطنون بقرية سيدي لكبير في أحمر العين شككوا في رواية وزارة الصحة، وقاموا بتحدٍّ فريد من نوعه، من خلال شرب مياه المنبع جماعياً بعد إعلان الوزارة اكتشاف البؤرة، وأكد عدد منهم أن المشكل ليس في المنبع الذي يتزودون منه منذ 40 عاماً.

وطالب هؤلاء الوزارة بالبحث عن السبب الرئيس في انتشار ميكروب الكوليرا، بدل التخفي وراء منبع يشرب منه السكان بشكل يومي، دون تسجيل أية إصابات سابقة بهذا الداء.

كما نشرت صفحة أولاد أحمر العين عبر «فيسبوك» منشوراً، ترفض فيه جعل منبع سيدي لكبير شمعة تُعلِّق عليها وزارة الصحة فشلها في بلوغ السبب الرئيس في انتشار الكوليرا، لتطرح سؤالاً في الأخير، وهو: «لماذا لم يصب أي أحد من أحمر العين بهذا الداء؟!».

السكان في عين بسام بدورهم لم يهضموا رواية الوزارة؛ إذ يقول معتز ملوك، وهو جارُ أولِ مَن أصيب بهذا الداء،  لـ»عربي بوست» «المصاب في الأربعينيات من عمره، ولم يسافر إلى ولاية تيبازة قط، وليست له أية علاقات هناك، فمن أين أتى بالمرض إذاً؟!».

ومصدر الوباء في عين بسام

البروفيسور سليمان آيت علي، رئيس قسم الأمراض المعدية بمستشفى القطار، يطالب الوزارة بالتركيز على مدينة عين بسام في البويرة؛ لأن مفتاح الدواء والسيطرة على الداء يبدآن من هناك.

ويقول آيت علي لـ»عربي بوست»: «كان على الوزارة العودة إلى الحالة الأولى التي أُصيبت بالكوليرا وهي من ولاية البويرة ومن مدينة عين بسام بالضبط؛ ومن ثم يبدأ التحقيق الفعلي».

ويضيف: «حقيقة، العلم يبدأ من الاحتمالات، لكن تلك الاحتمالات يجب أن تكون منطقية، والفيروس انتقل من مدينة عين بسام إلى البليدة بحكم درجة قرابة المصابين من حيث صلة الرحم؛ ومن ثم فالمصدر هو عين بسام، التي يجب تكثيف التحقيقات بها».

والى جانب فرضية أن يكون الماء سبباً في انتقال الفيروس، يقول البروفيسور: «فإن هناك مصدراً آخر يجب التركيز عليه، وهو الخضراوات والفواكه المسقيّة بالمياه الملوثة، وعين بسام معروف بها انتشار الحقول والبساتين المخصصة لإنتاج خضراوات وفواكه موسمية وبالهكتارات».

شارك على:

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: حقوق المادة محفوظة ممنوع النقل