المغرب: 12 قرناً من التراث مهددة بالزوال في مدينة فاس …السياحة ليست كلها ربحاً!!

آخر تحديث : الجمعة 29 يونيو 2018 - 11:10 مساءً
السياحة ليست كلها ربحاً.. 12 قرناً من التراث مهدَّدة بالزوال في مدينة فاس المغربية
تدفَّق الصينيون بعد إلغاء التأشيرة.. أحضَروا معهم سلعهم الرخيصة لتقضي على الصناعات التقليدية المحلية

ينفتح الباب الضخم المصنوع من خشب الأَرز قليلاً، ليسمح للزوار بإلقاء نظرة سريعة على مدخلِ واحدٍ من أكثر المباني التاريخية جمالاً في العالم الإسلامي.

تُعد مكتبة القرويين، التي تقع في قلب المدينة القديمة النابض بالحياة في مدينة  فاس المغربية، واحدةً من أقدم المكتبات الموجودة بالعالم. تضم المكتبة أرففاً من المخطوطات القيِّمة، من بينها نسخة من القرآن تعود إلى القرن التاسع، كُتبت على جلد الجِمال بالخط الكوفي، أقدم أشكال الخط العربي.

في الخارج يتمايل رجل عجوز على حماره، في حين يطرق النحّاس مرجلاً كبيراً بمطرقته؛ ليعده لاحتفالات الزواج.

ويشهد المغرب هذه السنة (2018) طفرة سياحية، وفقاً للأرقام الرسمية زار 11 مليون سائح المغرب في 2017، بزيادة تقدر بـ10% عن العام السابق، كما شهدت أعداد السائحين الصينيين خصوصاً تزايداً ملحوظاً بفضل الإلغاء الأخير لإجراءات الحصول على التأشيرة، مما يطرح المزيد من المشاكل على مدينة فاس وتاريخها.

السياحة ليست كلها ربحاً..

ما زالت نسبة كبيرة من سكان المغرب تعيش تحت خط الفقر، وما زالت البطالة تمثل مشكلة كبيرة، خصوصاً بين الشباب، وبذلك تمثل السياحة مصدراً حيوياً للدخل بالنسبة للحكومة، كما أنها توفر الوظائف كذلك، لكنّ مجاراة السيل المتدفق والمتزايد من السائحين ليس أمراً سهلاً دائماً.

تُواجه السلطات في عدد من المراكز السياحية بأوروبا مثل البندقية وبرشلونة حنقاً متزايداً من قِبل السكان المحليين تجاه حشود السياح والكيفية التي يتسببون بها في ارتفاع الأسعار المحلية إلى الحد الذي تفكر فيه سلطات هذه المدن بوضع قيود تحدُّ من أعداد السائحين.

لسنوات عديدة، حذر علماء الآثار والمتخصصون بحفظ التراث العالمي من تأثيرات السياحة على أهرام الجيزة، خصوصاً الرسوم الجدارية الدقيقة والحساسة داخل أبنية الأهرام والتي قد تتعرض للضرر بفعل العَرق والرطوبة الناتجة عن الأجساد البشرية.

وحتى وقت قريب، لم تكن فاس بأزّقتها المزدحمة التي تمر عبر المدينة القديمة كالشرايين النابضة في الجسد، على طريق السياحة الرئيسي، حيث كان زوار المغرب يميلون إلى الذهاب لمدن مثل مراكش والدار البيضاء، وهما مدينتان عرفتا بأنماط حياتهما الحرة والأقل محافظة.

لكن الآن، ومع افتتاح المطار الجديد، تدفَّق السياح إلى فاس. ولم يشهد تجار المدينة التي تأسست في القرن الثامن مثل هذا الازدهار في أعمالهم من قبل.

إحياء كنوز المدينة

تتحرك مجموعات من السياح في أزقة المدينة، التي تصنفها منظمة اليونيسكو ضمن قائمة التراث العالميوالتي يقال عنها إنها أكبر مركز حضري مخصص للمشاة بالعالم. وفي هذه المدينة أيضاً ينخرط المرشدون السياحيون في دورات سريعة لتعلُّم الصينية.

تقضي عزيزة الشاعوني، المهندسة والمصممة المعمارية التي وُلدت في فاس وتلقت معظم تعليمها بالولايات المتحدة، ثلث العام تعمل على مشاريع في مدينتها الأم، وبقية العام بكندا حيث تعمل أستاذة مساعدة في كلية جون اتش دانييلز للعمارة بجامعة تورونتو.

قبل عدة أعوام، بدأت الشاعوني، التي سافر جدها الأكبر على حماره من قريته للدراسة بجامعة القرويين في القرن التاسع عشر، مشروعاً لإعادة ترميم وتأهيل النهر الذي يمر عبر مركز المدينة القديمة، يهدف إلى الحد من التلوث وتحويل مياه الصرف التي تهدد المباني القديمة، من بينها مكتبة الجامعة.

عام 2012، طلبت وزارة الثقافة المغربية من شركة الشاعوني المعمارية تولي مشروع ترميم وإحياء مكتبة القرويين.

منذ البداية، أرادت المهندسة المتخصصة بالتراث جعل المكتبة جزءاً من المدينة التي ما زالت تنبض بالحياة، حيث تقوم في مبنى سحري ومذهل ومليء بالكنوز، «التحدي الذي يقف أمامنا الآن هو أن نجعلها مفتوحة للجميع، للسكان المحليين والسياح على حد سواء»، تؤكد الشاعوني بحماسة.

في الوقت نفسه، تراود المخاوف بعض الناس من أن تدفق السياح سيهدد بمحو شخصية المدينة، أحد التجار قال إن البضائع والحلي أجنبية الصنع، مثل الساعات والنظارات الشمسية، ملأت واجهات المتاجر. يقلق البعض الآخر إن صناعة المشغولات النحاسية وورش الحرفيين وصباغة الأقمشة التي اشتهرت بها المدينة قد تختفي تدريجياً؛ بسبب رواج السلعة المستوردة الرخيصة، خاصة من الصين.

متاهة كلها مفاجآت

تخشى السلطات أيضاً من تأثير تزايد أعداد السياح على المباني مثل المكتبة ومجمع الجامعة. انتقلت سلطة إدارة المكتبة مؤخراً من وزارة الثقافة إلى وزارة الشؤون الدينية. وُأجِّلت خطط افتتاح مكتبة القرويين للعموم والتي التي كانت مقررةً العام الماضي (2017).

تعتقد الشاعوني، المنخرطة أيضاً في ترميم حمامات سيدي حرازم الحرارية العصرية خارج فاس، أن «المكتبة يجب أن تكون دائماً جزءاً حيوياً من روح مدينة تتطور باستمرار.

إذ لا يكمن خطر السياحة الأكبر في عدد السياح؛ بل في الطريقة التي تجمِّد بها السياحة عادةً تطوُّر الأماكن؛ إذ تجعلها أشبه ما يكون بنوع من ديزني لاند»، حسب المهندسة، التي أضافت قائلة: «المدينة كائن حي، تحوّل وتكيّف باستمرار مع الزمن».

في مدينة فاس 10 آلاف شارع تتشابك وتتقاطع في مساحة تبلغ 300 هكتار تقريباً. هذه متاهة محيِّرة يسهل على السياح الضياع فيها. ويعيش عشرات الآلاف من الأشخاص داخل جدران المدينة، التي لا تستطيع أي مركبة دخولها، بدلاً من ذلك تقوم الخيل والحمير بكل أعمال النقل وحمل وجلب البضائع والمنقولات.

التكيف لأجل المستقبل

لتقدَّر كثافة هذه المدينة حق قدرها، بإمكانك النظر من أعلى شرفة أحد الأسطح لترى عدداً هائلاً من مآذن المساجد وأطباق استقبال إشارات الأقمار الاصطناعية التي تنتشر على أسطح المباني السكنية، كما ينمو الفِطر على أرض الغابة الرطبة.

تمثل المدينة القديمة نموذجاً للبنية القادرة على البقاء، إذا نظرت إلى المدن القديمة الأخرى في مراكش خصوصاً فسترى أن الحيوية قد غادرتها، تضيف الشاعوني. دُفع السكان المحليون إلى خارجها دفعاً بفعل الطفرة العقارية، وأصبحت المتاجر السياحية رائجة أكثر.

أمر فاس ومدينتها القديمة مختلف، هي مدينة مرنة، والمهندسة المعمارية عاشقة التراث، واثقة بقدرتها على التكيف لتصبح صالحة للقرن الـ21 وكل التحديات التي يجلبها معه.

2018-06-29 2018-06-29
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

هيئة التحرير
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE
error: Alert: CoAlert:موضوع محمي لا يمكن نسخه شكرا لتفهمكم !!ntent is protected !!