رشيد الغولي: مفهوم المُواطَنة والوَطَنِيَّة والوَلاَء والإِنتماء والهوية الوطنية!! نقطة في بداية السطر!!

آخر تحديث : الإثنين 19 يونيو 2017 - 2:04 صباحًا
الاستاذ رشيد الغولي - مدريد اسبانيا

مهما إِضْطر الإنسان إلى تَرك وطنه فإن حَنِين الرجوع إليه يَبقى مُعلقًا في ذاكرته لا يُفارقه، كما أن الله عَزَّ وَجَل أمر عِباده  اللذِين فُطِروا  على حُبِّ مَواطِنهم التي عَاشوا  وتَرعرعوا فيها بِالجِد والإِجتهاد والسَّعي لِما فيه مصلحة البلاد والعِباد، وتِلْكُم غريزة مُتأصِّلة في النفوس، كما قال الشاعر:

بِلاَدٌ بِها نِطَتْ عَلَيَّا تَمائِمِي

وأَوَّلُ أرض مَسَّ جِلدي تُرابُها

بلادي هَواها في لساني وفي دَمي

يُمَجِّدُها قلبي ويدعو لها فَمِي

ومَن يَظْلم الأوطان أو ينسى حقَّها

تَجِأه فنون الحادثات بأظلمِ

وما يَرْفَع الأوطان إلاَّ رِجَالها

وهل يَتَرَقَّى الناس إلاَّ بِسُلَّمِ

وَجَدَ ذالك أفضل الخلق أجمعين صلوات ربي وسلامه عليه، حين قال لِمَكَّة في هجرته عند حدودها (( مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وَأَحَّبَّكِ إِلَيَّ ))، تم لمَّا هَاجَر إلى المدينة المُنَوَّرة واسْتَوْطن بها أحبَّها وألِفها كما أحَبَّ مَكَّة المُكَرمة، بل كان يَدْعو أن يرزقه الله حُبها، ( اللهم حَبب إليْنا المدينة كحبِّنا مكة أو أشد، وعن أَنَس إبن مَالك قال كان رسول الله (( إذا قَدِمَ المدينة من سفر فأبْصَر دَرَجَاتِ المدينة أََوْضَعَ نَاقَته أي أسرع بها وإذا كانت دَابَّةً حَرَّكَهَا)).

يَنْبَغِي لنا جميعاً مَعْرفَة حُب الوطن وحُسن الإنتماء إليه معرفة دقيقة، معرفة مسؤولة وأن حُب الوطن بالمعاني والتَّصَرُّفات وليس بالمظاهر والتفاهات، حُب الوطن قيمة تظهر على السلوك ليس إِدِّعَاء،

حُب الوطن أعمق من شعور عابر أو شِعار، أغلى من النفس، الوطنية وحُسن الإنتماء أن يَحرص الإنسان على عدم تَشْوِيه بَلَدِه، وأن يكون في المُقابل حريصا على رَفْع صُمْعَتِها بالحق، والبحت عن وسائل تَمَيُّزِها من خلال أفعاله وتَصَرُّفاته، كما يَنْبَغِي للمواطنين القَاطِنِين اللَّذين يَسْتَظِلُّون بنعمة الوطن وأَمْنِه الوَارِف،

أن يُعَظِّموا هذه النعمة في أعينهم بالنظر إلى اللاَّجئين، إلى المُشرَّدين، إلى الغُرَبَاء وإلى البُعداء عن أوطانهم، ينبغي أن يعرف الناس ويُقدِّروا نعمة الله عَزَّ وجل بالوطن، وآخرون قد حُرِمُوا هذه النعمة،

فهم يتوقون إليها ويَنْتَظِرُونَها ويَنْظُرُون إليها، حُبُّ الوطن والاعتزاز بالإنتماء إليه ليس شيئ خارج عن نِطاق الإعْتِيَّاد بل إنه تعبير عن حُب صادق مُتَّصل لا ينقطع أبدا وإعتزاز راسخ وعمل بلا كَلَل، شعور بِيَد المِنَّة للوطن ودَيْنٌ مُسْتَّحق للوفاء والولاء، مظاهر الوطنية الحقة بناء دؤوب وسَعْيٌ أكيد وإرتقاء بالعِلْم وإحسان وإتقان وإخلاص في العمَل،

المواطنة الحقة مراقبة لله في كل شيئ، المُواطَنَة الحَقَّة إنْتِماء لا إِلْتِوَاء.

ليس من المواطَنَة الحقيقية والانتماء الجاد للوطن حُب إشاعة الفوضى والتفرقة والعنصرية والقبلية، ولاَ إفساد أَوْ تخريب للمرافق العمومية، أَوْ العبت بالمقدرات الوطنية، أَوْ مخالفة أنظمة وقوانين البلد، ليس من المُواطَنة تغليط الرأي العام ونسج أحداث خَياليَّة من أجل زرع الكره والحقد والتفرقة،

لِتَقْسيم المُقَسَّم، كيف يدعي حُب الوطن من لا يرى منه إلاَّ الهَنَات، ولا يقف منه إلاَّ على الجُروح، لا تَرَاه مُثْنِيًا على الوطن أبدًا، إنما على هَنَاتِه وعَوْراته وعلى عيوبه، تماما كما جَسَّده هذا البَيْت الشَّعْري:

لا تَغْتَرب عن وَطَن واحْدَر تَصاريف النَّوى

أَماَ تَرَى الغُصْن إذا ما فارق الأصْلَ ذَوَى

لمَّا نتكلم عن مفهوم المُواطَنة والوَطَنِيَّة وعن الوَلاَء والإِنتماء وعن الهوية الوطنية، فإننا نَقِف عَند مفاهيم جِدْ متداخلة، لأنه في العلوم الإجتماعية والسلوكية لا يوجد تعريف شامل جامع مانع لكل هذه المفاهيم، من أجل تقريب المعنى من أدهاننا وتوضيح الفكرة أكثر سوف نضع إشارات لهذه المفاهيم كلها.

أَوَّلاً الوطنية: كلمة مُشْتَقَّة من الوطن بمعنى المسكن الذي نُقِيم فيه، مَوْطِن الإنسان ومحله، الوطنية هي تَمَسُّك بالوطن، الوطنية هي الإنتماء والولاء المُطْلَقْ لهذا الوطن، الوطنية هي إِمْتِلاك مَشاعِر الحُّب والإخلاص والفخر إتِّجاه هذا الوطن، الوطنية هي إرتباط بالأرض بالعادات والتقاليد إعتزاز بتاريخ الوطن وأمجاده، إذن الوطنية مجموعة من الوِجْدَانْ والشُّعور  والإنفعالات إتجاه هذا المكان أي هذا الوطن.

ثانيا الهوية الوطنية: هي عكس الهوية الداتية، نسميها كذالك الهوية المجتمعية، هي شخصية مجتمعية واحدة بمعنى أدق الجميع يشعر بأنه يمتلكها أي يمتلك هوية واحدة، أنا وطَني إذن أنا جزء من هذا المجتمع، لا أقف عند هويتي الداتية أو الفرعية أو القَبَلِيَّة، بِمعنى أَدق ليس مِنَ الإيمان التَعَصُّب للإنتمائ القَبَلِي المحدود الذي يُصبِح حالة مَرَضِيَّة، بَل التَّمَسُّك والإنْصِهار في  هوية واحِدة مشتركة بين كافة أطياف المجتمع.

ثالتا الإنتماء: شعور وِجْداني يَتَوافَق مع هذا الشُّعور إعتقاد راسخ وإحساس دائم  مرتبط بالمكان كما أنه سلوك مُفَّعَّل على أرض الواقع.

رابعا الولاء: عند هذا المفهوم تبدأ منظومة قِيَّمِيَّة أُخرى فيها الوفاء، الإخلاص، المناصرة والتضحية، الولاء عاطفة تِلْقائية وقناعة داتية، يَتَبَنَّاها الفرد في قلبه، في داخله وفي وِجْدانه، ينتج عنها حُبّ وإخلاص شديدين، يبقى المفهوم الخامس والأخير وهو الأكثر أهمية على الإطلاق.

خامسا المُواطَنَة: تجمع ما بين الهوية الوطنية وما بين الشعور الوطني، وتجمع بين الإنتماء وبين الولاء، هي أيضا علاقة إجتماعية، بالإضافة إلى كل هذا هي حقوق وواجبات، والقضية الأهم والأخطر هي أن المواطنة علاقات وقانون وسيادة قانون ودستور وتشريع ولوائح ونُظُم، وإحترام لهذه القواعد والدساتير والنُّظُم،

مظاهرها مشاركة تطوعية، بمعنى يَتَنَمَّى الإحساس عند الإنسان بالمشاركة التطوعية، إلتزام بالهوية المجتمعية، حماية للممتلكات العامة كجزء من قِيَّمِهِ الإجتماعية، إحترام الرأي والرأي الأخر، إحترام الثقافات الفرعية،

إحترام الوطن ورموز الوطن والمقدسات والدفاع عنها، المتخصصين في علوم الإجتماع يَجِدون أن هذه المظاهر هي مُحَدِّدَات قِيَّمِيَّة يكسبها الفرد عن طريق ما يُسمَّى بالتَّنْشِئَة الإجتماعية، قِيَّمْ بل منظومة قِيَّمْ كلما تعززت هذه القِيم عندنا حققنا المواطنة بل المواطنة الصادقة.

قال أهل الأدب إذا أردت أن تعرف الرِّجُل فانْظُر كيف تَحِنَّتُهُ إلى أوطانه وتَشَوُّقه إلى إخوانه وبُكاؤه على مَا مَضَى مِنْ زَمَانه، المَحَبة للأوطان والانتماء للأُمة والبُلْدان أمْر غريزي وطَبِيعة طَبَعَ الله النفوس عليها، حِين يُولد إنسان في أرض ويَنْشَأ فيها، فيشرب من مائِها ويتنَفَّس هوائها ويَحْيَى بيْن أَهْلِها فإن فِطْرته تربطه بها فيحبها ويُوالِيها، ويكفي لِجَرْح مشاعر إنسان أن تشير بأن لا وَطَنَ له، وقد إقترن حُب الأرض بِحُب النفس في القرآن الكريم،

قال الله تعالى (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ  وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا) (النساء  66)، بل إرتبط في موضع أخر بالدِّين، قال الله عَزَّ وَجَل (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة 8).

2017-06-19
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

هيئة التحرير
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE
error: حقوق المادة محفوظة ممنوع النقل