حكومة العثماني: هل هي حكومة آيلة للسقوط؟

آخر تحديث : الأحد 26 مارس 2017 - 4:25 مساءً
رضا الهمادي

خرجت التركيبة الحكومية للوجود، و كنت قد آليت على نفسي أن لا أتحدث عنها غيبا حتى ياتني اليقين، و الآن و قد ولدت هذه الحكومة شبيهة بمخلوق فرانكشتياين القبيح، هناك مجموعة من النقاط التي يجب عدم إغفالها لفهم الذي وقع:

أولا: يظهر جليا أن إعفاء بنكيران من مهامه، كان لتأكد صانعي القرار أنه مركز المقاومة الوحيد داخل البيجيدي ضد دخول الاتحادين الدستوري و الاشتراكي الحكومة، وذلك لرفضه لعب دور رئيس حكومة صوري. و الحقيقة أن هذا الموقف يحسب لهذا الرجل، فرغم اختلافاتنا و انتقاداتنا الكثيرة و رغم الأخطاء الكبيرة التي قام بها، إلا أنه خرج من الحكومة كبيرا رافضا المساومة و المساهمة في هذه الردة و التراجع عن توافقات 2011.

ثانيا: إدخال لشكر عنوة للحكومة هو شهادة وفاة رسمية لكل القيم و المبادئ التي ناضل من أجلها حزب الاتحاد الاشتراكي لعقود و التي قدم من أجلها شهداء و سجناء ناضلوا من أجل تحقيق انتقال ديموقراطي حقيقي، فإذا بورثة الحزب من بعدهم يتحولون إلى أبرز أداة للنكوص الديمقراطي ببلادنا.

ثالثا: قبول سعد الدين العثماني الشروط الكاملة لصانعي القرار و قبوله بلعب دور رئيس حكومة ضعيف يعد مفاجأة كبيرة ستأثر كثيرا في صورة الرجل، و سيكون لها ما بعدها داخل حزب العدالة و التنمية، خصوصا فيما يخص قدرة العثماني على تولي منصب الامين العام في المؤتمر المقبل. صحيح انه تعرض لضغوط كبيرة و هائلة، و أنه كان ينتظر هذا الرفض و الاستهجان الشعبي داخل و خارج الحزب، إلا أن ما وقع فعلا و ما دفع العثماني و الامانة العامة للحزب لقبول هذه الضغوط سينكشف خلال الاسابيع و الشهور القادمة، و في غياب هذه المعطيات الدقيقة يستحيل تقييم موقف العثماني بدقة.

رابعا: يعد حزب الاصالة و المعاصرة أكبر مستفيد من خروج الحكومة بهذا الشكل، فمع كل هذا الرفض الشعبي لها، سيتزعم جبهة الرافضين لسياساتها، مما سيقوي حظوظه بشكل كبير لتصدر المشهد السياسي و تولي رئاسة الحكومة في انتخابات 2021 (مع افتراض صمود الحكومة حتى نهاية ولايتها). و هو ما يعتبر ضربة معلم لصانعي و مهندسي القرار السياسي ببلادنا الذين نجحوا بشكل كبير في إدخال العدالة و التنمية في حكومة ستضعفه بشكل كبير و ستعرضه لموجة كبيرة من السخط و الاستهجان، خصوصا مع تواري عبد الاله بنكيران إلى الخلف و الذي يعتبر سببا مباشرا في الاكتساح الانتخابي الكبير لهذا الحزب في 2011، 2015 و 2016. و طبعا لن يكون البديل الجاهز لتصدر المشهد إلا حزب الاصالة و المعاصرة الذي بقي ثابثا على موقفه المعارض للحكومة، و الذي يجب عليه استغلال 4 سنوات القادمة للقيام بمعارضة بناءة و بناء هياكل قوية إن هو أراد تقوية فرصه في تولي رئاسة الحكومة.

خامسا: بعد مطالعة ردود الافعال الاولية للفاعلين و الملاحظين السياسيين و المواطنين على صفحات التواصل الاجتماعي، يتضح أن شريحة كبيرة صدمت من تحقق المستحيل و تحكم حزب 37 في مفاصل حكومة يقودها صوريا حزب 125. و هو ما اعتبره الكثير ردة و غلقا لقوس الانتقال الديمقراطي و ظهور لسلطوية ناعمة. و هو ما ينذر بمزيد من العزوف السياسي في المستقبل، و مزيد من الكفر بالسياسة إذ شبه الكثير من الشباب ما حصل اليوم بنكسة 2002 و التراجع عن التناوب التوافقي حينها. بينما اختارت شريحة ثانية الشماتة في بنكيران الذي حلف بأغلظ الايمان بعدم دخول لشكر للحكومة.

سادسا: و هي النقطة الأهم، كان مقدرا لأي حكومة تتولى السلطة التنفيذية ببلادنا تنزيل مجموعة من القرارات المؤلمة و القاسية و الصعبة التنفيذ و التي نجح صندوق النقد الدولي في فرضها على المغرب، كتعويم الدرهم المغربي و الخفض التدريجي لميزانيتي التعليم و الصحة و الاستمرار في الخفض من ميزانيتي المقاصة (هناك احتمال كبير لحذف الدعم عن البوتان المنزلي) و الاستثمار (هناك توصيات متكررة لصندوق النقد لحكامة في ميزانية الاستثمار). ثم احتمال كبير للتخفيض من الدعم المباشر الموجه للطبقات الهشة و الذي كان احد شروط أخنوش لدخول الحكومة. بالإضافة إلى هذا استمرار لوبي المحروقات بالتلاعب بأسعار المحروقات و استغلال قانون تحرير الأسعار و الذي لم يتضمن ميكانيزمات للتحكم فيها درء ا لتوافق كارتيل المحروقات على أسعار مرتفعة. كل هذه القرارات مجتمعة تنذر بقنبلة موقوتة قد تفجر الغضب الشعبي ضد الحكومة في أي لحظة.

أظن أن عبد الإله بنكيران كان الرجل الوحيد القادر على تمرير هذه الحزمة من القرارات مع احتواء الغضب الشعبي و التفاعل معه كما فعل في ولايته الأولى. و بذهاب الرجل بهذه الطريقة، و مع كمية الاستهجان الشعبي الهائلة التي واجهت الحكومة مع لحظة ولادتها، و مع توقع استمرار نمو هذا الغضب الشعبي ضد الحكومة ككرة الثلج و تنزيل مزيد من القرارات المغرقة في الليبرالية، نتوقع أن يسقط الشارع هذه الحكومة بعد سنتين إلى ثلاث سنوات على الأكثر، و هو ما يعني أن احتمال تنظيم انتخابات سابقة لأوانها يبقى مرتفعا بالنظر إلى كل العوامل السابقة الذكر.

سابعا و أخيرا: أذكر بمدى بعد هذه الحكومة عن ما تضمنه خطاب دكار و دعوته لخلق حكومة منسجمة قوية و مبنية على تعاقد برنامجي بعيد عن الاصطفافات السياسوية.

رضا الهمادي رئيس المرصد المغربي للسياسات العمومية

2017-03-26
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

هيئة التحرير
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE
error: حقوق المادة محفوظة ممنوع النقل