المغرب: مشاريع كبرى وموانئ عملاقة .. خطة الملك محمد السادس الإقتصادية لتجنيب المغرب رياح الثورات السياسية!!

آخر تحديث : الأربعاء 25 أبريل 2018 - 10:14 مساءً
موانئ عملاقة ومشاريع كبرى.. خطة محمد السادس الاقتصادية لتجنيب المغرب رياح الثورات السياسية

خلال ساعات النهار الأولى، يبدو شكل السفن وهي تمخر عباب البحر الأبيض المتوسط، من بعيد، مخيفاَ. إنها سفن الشحن العملاقة، المحمَّلة بحاويات معدنية مكعبة الشكل، تتجه كلها نحو ميناء طنجة المتوسط، على السواحل المغربية شمالاً، والذي يعتبر ثاني أكبر مرفأ في إفريقيا ويمتاز بالعديد من المواصفات العالمية.

العام الماضي (2017)، حسب تقرير نشرته صحيفة welt الألمانية، تم شحن 5.3 مليون طن من البضائع في هذا الميناء، بينما نقلت السفن 2.8 مليون مسافر بين إفريقيا وأوروبا، إلى جانب مرور 430 ألف عربة، و6 ملايين طن من الغاز والنفط. وترتفع هذه الأرقام لتبلغ مستويات جديدة سنوياً، وحتى المنشآت التي انتهت أشغال بنائها منذ يوليو/تموز من سنة 2007، قد تم الشروع في أشغال توسيعها، في إطار مشروع ميناء طنجة المتوسط 2. ويجري التخطيط لجزء ثالث من هذا المشروع، الذي يهدف إلى جعل ميناء طنجة أكبر مرفأ بحري في القارة الإفريقية.

رشيد التفرسيتي، رئيس مؤسسة البوغاز المسؤولة عن المحافظة على الإرث التاريخي لمدينة طنجة العتيقة، الموجودة على بُعد 40 كيلومتراً من هذا الميناء، يعتبر أنه لا “أحد كان يعتقد أنه من الممكن تحقيق هذا الإنجاز بالمغرب؛ “في السابق، كان الأمر يستغرق أشهراً لإصلاح الحفر في الطريق، والآن انظر ماذا حققنا”.

يسابق المغرب الزمن من أجل تنفيذ خطة جديدة عملاقة، تهدف إلى نقل هذا البلد، الذي يشكو من ضعف التنمية إلى القرن الـ21، ويبدو أن مشروع ميناء طنجة المتوسط يقع في قلب هذه الرؤية الاقتصادية.

الثورة الاقتصادية منعت وصول الثورات إلى المغرب

يقف وراء هذه الخطة الطموحة، الملك محمد السادس، البالغ من العمر 54 عاماً، والذي يريد أن يحارب الفقر والبطالة التي يعانيها بشكل خاص الشباب. وعموماً، تعاني كل دول شمال إفريقيا هذه المعضلات، ما يجعل منها بيئة ملائمة لانتشار التطرف الديني والاضطرابات الاجتماعية.

في الوقت الحالي، يبدو أن المغرب قد فهم علامات التحول وواقع المنطقة؛ إذ إن ما حققته هذه المملكة خلال السنوات العشر الماضية يمكن اعتباره معجزة اقتصادية. وربما هذا هو السبب الذي جعل المغرب لا يتأثر بالربيع العربي. سنة 2011، قدّم الملك محمد السادس إصلاحات اقتصادية جزئية للسير نحو المزيد من الديمقراطية، ولكن ما جنّب المملكة الثورة وأخمدها في مهدها هو التفاؤل بتحسن الأوضاع الاقتصادية.

عبد اللطيف، وهو سائق سيارة تاكسي من طنجة، يقول إنه لأول مرة يرى إصلاحات تؤدي بالفعل إلى تحسين أوضاع الناس، “فلماذا ترانا نقوم بتدمير كل شيء”، في إشارة إلى الفوضى التي تعانيها ليبيا، والأزمة التي تعيشها تونس، والنظام المصري برئاسة عبد الفتاح السيسي.

مع ذلك، يبدو طريق المغرب نحو المستقبل طويلاً ومليئاً بالتحديات؛ إذ لم تستفد كل فئات الشعب المغربي من هذا التقدم، وتعاني المملكة إلى حد الآن تعدد الإضرابات والاحتجاجات، حيث صرح عالم الاجتماع المغربي مهدي عليوة: “لا تزال هناك العديد من الصحاري والمناطق المهمَّشة خارج المناطق الصناعية الكبرى، ولكن ما دامت هذه الاحتجاجات الاجتماعية في نطاق المعقول، فهي غالباً ما تمثل دعماً إضافياً لجهود التنمية”.

بعد الاحتجاجات، دائماً ما يتم تقديم الاستثمارات بشكل منتظم للمناطق المهمَّشة. وفي عدة مرات، أقدم الملك محمد السادس على إقالة الوزراء والمحافظين الذين لم يقوموا بواجبهم على أكمل وجه. وتتكون وصفة النجاح المغربية من شبكة من المشاريع الكبرى المتكاملة التي تدرُّ العوائد الاقتصادية. وإلى جانب ميناء طنجة المتوسط، تم أيضاً إرساء العديد من مناطق التجارة الحرة، وتوفير البنية التحتية الجديدة والمتطورة اللازمة لها.

بالإضافة إلى الطرقات السريعة، يتضمن هذا الدعم إطلاق خط القطار السريع، الذي سيبدأ من الصيف المقبل بربط طنجة ببقية المدن المغربية. وسنة 2012، أنشأت شركة “رونو” الفرنسية لصناعة السيارات أكبر مصنع لها على ضفاف البحر الأبيض المتوسط بالقرب من هذا الميناء، بطاقة إنتاج تبلغ 400 ألف عربة في السنة.

بعد ذلك، ستأتي “مدينة محمد السادس التقنية”، وهو مشروع مدينة بتكلفة 11 مليار يورو، يشارك فيه مستثمرون صينيون، وسوف تنتهي أشغال البناء بعد 10 سنوات، وحينها سيتمكن نحو 100 ألف مغربي من العمل في هذه المدينة والعيش بها رفقة عائلاتهم.

نائب رئيس جمعية المستثمرين المغاربة، عادل رايس، يعتبر أن “مشروع ميناء طنجة المتوسط غيّر نظرتهم لعالم الأعمال؛ إذ إن مناطق التجارة الحرة ومصنع شركة رونو خلقت ديناميكية جديدة قادتنا إلى حقبة صناعية جديدة. ولوقت طويل عانت المنطقة التجاهل والتهميش، ولكن اليوم عادت مدينة طنجة إلى الأيام الخوالي، حين كانت مركزاً للتجارة العالمية”.

سمعة سيئة

لطالما اعتقد سكان طنجة أن الملك الحسن الثاني ترك الأوضاع تتدهور في طنجة عقوداً طويلة؛ بسبب  شكوكه في وجود متآمرين ضده خرجوا من هذه المدينة. لكن، ربما كان ذلك بسبب أن هذه المدينة كانت وجهة للزوار من كل أنحاء العالم، الذين كانت تجتذبهم السمعة السيئة لهذه المدينة الساحلية.

يتمثل السبب الرئيسي لاكتساب هذه المدينة سمعة سيئة وارتباطها بتسمية “مدينة الدعارة”، في قيامها على فكرة “المنطقة الدولية”، التي كانت تمثلها طنجة من 1923 إلى 1956. في ذلك الوقت، كانت المدينة ملاذاً للمليارديرات، وأصحاب البنوك، والمهربين والفنانين. وكان كل شيء محظوراً في باقي أنحاء العالم مسموحاً به في هذه المدينة، مثل الشذوذ الجنسي والمخدرات. وعلى سبيل المثال، استقر الكاتب الأميركي بول باولز في طنجة، إلى جانب العديد من الكُتاب والرسامين مثل فرانسيس بيكون، وتينيسي ويليامز، وجون جوني، والشاعر ويليام بوروز.

يشتكي كيث من تغير الأوضاع بهذه المدينة، حيث أوضح وهو جالس في مقهى باريس ويحتسي قهوة بالحليب، “لم يتبقَّ شيء من ذلك العالم السحري في طنجة”. ومنذ عقود، كان هذا السائح القادم من مدينة نيويورك من الزوار الأوفياء لهذه المدينة المميزة، الواقعة عند مضيق جبل طارق.

بالنسبة للأحبّاء القدامى لمدينة طنجة مثل الأميركي كيث، فإن الطرقات الجديدة واسعة أكثر من اللازم، وزينة مراكز التسوق مبالَغ فيها، وإعادة تهيئة الميناء أيضاً أفقدته نمطه التقليدي. وفي هذا السياق، أورد كيث: “لقد تم تشويه الأنماط القديمة، ما أفقد المدينة رونقها”. وبالنسبة للسياح مثل كيث، تبدو فرحة السكان المحليين بالتنمية التي حققتها مدينتهم والطفرة الاقتصادية غير مفهومة.

سيمون بيير هاملان، الذي يعمل منذ سنة 2003 مديراً لمكتبة “ليبريري دو كولون” وسط المدينة، قال: “أنا أسمي هذا (متلازمة طنجة)؛ إذ إن جون جوني وفنانين كثيرين تعودوا القدوم إلى هذه المدينة، واليوم باتت طنجة مثل الجنة، بعد أن حققت الطفرة الاقتصادية وانتشرت فيها الأروقة الفنية ودور النشر والفنانون. ولكن هذه التغييرات ليست جميعها إيجابية؛ إذ إن كثيرين يتحسرون على الماضي؛ لأنه لا يمكن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء”.

ويرى يورغن لاينن، وهو يعمل في قطاع السياحة ويعيش في طنجة منذ 15 سنة، أن “كل شيء بات يتحرك بشكل أسرع من اللازم، وهذه العجلة أضاعت التفاصيل التاريخية”. وتقع دار الضيافة التي تحمل اسم “لاتانجرينا”، والتي يديرها يورغن مع زوجته فريدة، قرب قصر تاريخي يعود إلى العصور الوسطى، يقع في المدينة القديمة.

يشعر هذان الزوجان بالسوء عندما يفكران في العربات المعلقة التي ستبدأ قريباً بنقل الزوار من الميناء إلى المدينة، مؤكدَين أن “هذا المشروع سيمكِّن من نقل آلاف الزوار كل يوم، لقد كانت المدينة هادئة في السابق، وهي الآن مهدَّدة بالأعداد الكبيرة من السياح، وحتى السفن السياحية بدأت بالاستثمار في طنجة”.

وأفادت أمينة مريد، التي تدير ورشة ثقافية تحمل اسم “ثينك تانجي”، بأن “الأجانب هم من يشتكون في الغالب، وبالطبع هناك مشاكل، ولكن المسائل الجمالية ليست هي الأكثر أهمية”. وتنتمي هذه الشابة المغربية، البالغة من العمر 26 سنة، والتي ترعرعت في فرنسا، إلى جيل جديد يطمح إلى مستقبل مليء بالإبداع والابتكار والروح النقدية.

تمتلك ورشة “ثينك تانجي” مكتباً في بوابة المدينة العتيقة. وفي الماضي، كانت هذه الورشة جزءاً من المركب التقني الذي يضم نحو 50 شركة ناشئة. وفي إطار هذا المشروع، يتم تطوير تطبيقات نظام المواقع الجغرافية لشركات النقل، وابتكار روبوتات وتطوير الطاقات المتجددة.

نمو سكاني سريع

يأتي الكثير من أصحاب المشاريع الناشئة في المركب التقني من مدن أخرى، مثل “مريد” التي عادت من أوروبا إلى طنجة، ولأول مرة ترى هي وأمثالها أن هناك فرصة لتحقيق التغيير في بلدهم الأم، حيث قالت: “لا يمكننا ترك كل شيء للسلطات، التي لم تخطط في الماضي لتنظيم التوسع الحضري، وإلا فسينتهي بنا المطاف إلى إنشاء ضواحي مثل أوروبا”.

تعد هذه واحدة من سلبيات التطور الاقتصادي السريع؛ إذ إن تعداد سكان طنجة ينمو بواقع 60 ألف نسمة كل سنة، واليوم هناك أكثر من 1.5 مليون ساكن، رغم أن العدد قبل 10 سنوات كان أقل من مليون. وفي الأثناء، يأتي الناس من كل أنحاء المغرب بحثاً عن العمل والاستقرار، الذي يكون غالباً على أطراف المدينة؛ إذ إن تكلفة العيش هناك رخيصة، ولكن ليس الجميع قادرين على الحصول على عمل.

رغم خلق أكثر من 100 ألف وظيفة في المنطقة خلال العقد الماضي، فإن هذا لم يكن كافياً لتغطية احتياجات الشباب المغربي. ومن جهته، قال خالد أمين (من جامعة تطوان)، إن “النمو السكاني السريع هو معضلة حقيقية، ففي المغرب تشهد معدلات الولادات تراجعاً، ولكن تأثير ذلك لم يحدث إلا على المدى الطويل”.

خطط الملك الإصلاحية

وصل محمد السادس إلى العرش سنة 1999، وهو يعتمد سياسة أكثر اعتدالاً من والده الحسن الثاني. ومنذ توليه سدة الحكم، أطلق مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية في المغرب. وقد عمل هذا الملك، بشكل خاص، على تعزيز حقوق المرأة.

على الرغم من معارضة القوى الإسلامية المحافظة، أطلق الملك مدونة القوانين العائلية سنة 2004، التي وُصفت بأنها ليبرالية، والتي أسهمت في رفع سن الزواج من 15 إلى 18 سنة. ومنذ ذلك الوقت، لم تعد النساء مجبَرات على طاعة الزوج، ويمكنهن الطلاق بالتراضي، كما تم وضع قيود على تعدد الزوجات.

تم إشراك النساء في العمل التشريعي، وأكد الملك أيضاً ضرورة تخصيص 10 في المائة من مقاعد البرلمان للنساء. ولكن، لا يتفق الكثير من المنتقدين مع هذه الإصلاحات، ولكن مثلما كتبت مجلة “يوراسيا ريفيو”، فإن مجرد تجرُّؤ محمد السادس على تقديم زوجته الأميرة للا سلمى أمام العلن، هو أمر لم يسبقه إليه أي حاكم مغربي، وهو دليل على عمق التغيير الذي يسعى لإحداثه.

سنة 2011، أعلن محمد السادس، تفاعلاً منه مع موجات الربيع العربي، عن انتقال تدريجي من ملكية دستورية إلى ملكية برلمانية. وقد وافق 98 في المائة من المصوتين على التعديلات الدستورية خلال الاستفتاء، الذي شمل أيضاً قسماً من السلطة القضائية والتنفيذية.

إلى جانب ذلك، أصر الملك على تدريس قيم التسامح والانفتاح في التعليم الديني؛ من أجل مجابهة التطرف والرجعية. وسنة 2015، أسس محمد السادس مَدرسة إسلامية تنشر الفكر الديني المعتدل. ولأول مرة في العالم العربي، تحصل النساء على فرصة الدخول لهذه المدارس.

علامات
2018-04-25
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

هيئة التحرير
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE
error: حقوق المادة محفوظة ممنوع النقل