ليبيا: خطة الإمارات التي مهدت لهجوم حفتر.. استعانت بضباط مصريين واستمالت قائداً جزائرياً كبيراً

هيئة التحرير9 أبريل 2019آخر تحديث : منذ شهرين
ليبيا: خطة الإمارات التي مهدت لهجوم حفتر.. استعانت بضباط مصريين واستمالت قائداً جزائرياً كبيراً
رابط مختصر
خطة الإمارات التي مهَّدت لهجوم حفتر.. استعانت بضباط مصريين واستمالت قائداً جزائرياً كبيراً

الدعم المصري والإماراتي لحفتر ليس وحده هو السر في وصوله للعاصمة الليبية بهذا الشكل المفاجئ، ولكنْ هناك تغير كبير طرأ على السياسة الجزائرية يعتقد أنه سمح للجنرال المتقاعد بتنفيذ غزوة طرابلس.

عقدتان غامضتان تكتنفان مغامرة طرابلس المفاجئة التي تنفذها قوات خليفة حفتر، ومن دونهما لا يمكن تفسير القوة المفاجئة التي هبطت على اللواء الليبي المتقاعد.

فالرجل الذي استغرق الأمر منه أشهراً طويلة لحسم المعركة في معاقله بالشرق الليبي، ظهرت قواته فجأة على أبواب طرابلس، في تغيُّر كبير لأدائها الذي كان متعثراً في مواجهة قوات أقل عدداً وتدريباً في الشرق الليبي.

فمن أين جاء الرجل بكل هذه القوات والعتاد، كيف تغيَّر حال  قواته فجأة بهذا الشكل.

أما العقدة الثانية، فهي التوقيت، فالهجوم جاء عشية الإعداد لمؤتمر مصالحة برعاية أممية، والأهم أنه تزامن مع الأزمة السياسية في الجزائر واستقالة الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة.

فهل توقيت الهجوم مجرد مصادفة كما يقول مؤيدو حفتر، أم أنه مقصود لاستغلال إنشغال الجزائر بأزمتها الداخلية، ولماذا صمت الجيش الجزائري عن تقدم الرجل الذي سبق أن أهانه.

3 سنوات لاقتحام بني غازي

برز اسم حفتر على الساحة الليبية في مايو/أيار 2014، واكتسبت حركته زخماً بسقوط نظام الرئيس الإسلامي السابق محمد مرسي في مصر، حيث أطلق حفتر ما سمَّاها «عملية الكرامة» في بنغازي وفي الشرق الليبي، ضدَّ جماعات إسلامية مسلحة، من بينها جماعات مقربة من الإخوان المسلمين.

ونجح بتقديم نفسه على الساحة الخارجية باعتباره خَصم الإسلاميين في ليبيا، وهو ما أكسبه دعمَ دولتي الإمارات ومصر، كما قام بالتحريض على المؤتمر الوطني الذي انتخب بعد الثورة الليبية.

ورغم الدعم المصري والإماراتي لحفتر، فقد استغرق الأمر منه ثلاث سنوات لكي يعلن السيطرة على بني غازي كاملة، في يوليو/تموز 2017، علماً أن الشرق الليبي يعتبر المعقل الرئيسي لحفتر وحلفائه، بينما الغرب الذي يوجد به العاصمة طرابلس يعد معقلاً لخصومه.

وبالتالي فإن المنطق يفيد أن سيطرته على الغرب أمر يحتاج إلى سنوات إذا كان سيعتمد على قواه الذاتية، خاصة أن في الغرب توجد قوات مصراته التي تعتبر من أكبر وأقوى الفصائل في البلاد، وهي التي قضت على تنظيم داعش في سرت.

هؤلاء مَن يحاربون مع حفتر في معركته الأخيرة

ارتبطت حركة حفتر منذ نشأتها بالتطورات في مصر.

ويبدو واضحاً للعيان تأثر حفتر بالسيسي، وتقمّصه شخصيته، حتى إنه منح نفسه لقبالمشير مثلما فعل السيسي، الذي يفترض أن من يناله يجب أن تتوفر له خبرة عسكرية كبيرة لا تتوفر لحفتر، الذي عزل من الجيش الليبي في  الثمانينات، ولكن الأمر لا يقتصر على التأثير المعنوي فقط.

إذ إن الدعم المصري والإماراتي لحفتر أمر معروف، وسبق أن انتقد مجلس النواب الليبي الموالي لحفتر، قيام الطيران الحربي الإيطالي باعتراض طائرات مصرية، ومنعها من تنفيذ عمليات قصف ضد أهداف في ليبيا.

فمراهنة حفتر على الحسم العسكري في طرابلس لم تأت فقط بسبب ميله التقليدي للمغامرة، بل نتيجة دعم وتخطيط من الإمارات ومصر، حسبما تشير تقارير غربية متعددة.

هكذا تقدم مصر دعماً رفيع المستوى لحفتر

قيادات عسكرية مصرية رفيعة المستوى موجودة ضمن غرفة العمليات المركزية، التي تدير التحركات الأخيرة، حسبما ذكرت مصادر مقربة من قوات اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر، في الشرق الليبي لموقع صحيفة “العربي الجديد”.

وقالت المصادر إن هذه القيادات موجودة «في إطار اتفاق مسبق»، بما يُشير إلى دعم النظام المصري لتحرك حفتر العسكري نحو طرابلس.

وحسب مصادر دبلوماسية مصرية مطلعة، فإن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، والمبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة، أجريا اتصالات بكل من الرئيس عبدالفتاح السيسي، وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، الحليفين القويين لحفتر، للتدخل بهدف وقف تحركه العسكري نحو العاصمة طرابلس، تحت شعار «الفتح المبين».

والإمارات ساعدته في تقوية قواته الجوية

وأرجعت صحيفة The Guardian البريطانية تصعيد الصراع ليبياً نتيجة دعم الإمارات ومصر وفرنسا لحفتر.

واعتبرت الصحيفة أن الدعم الذي حصل عليه الجنرال خليفة حفتر، من الإمارات ومصر وفرنسا، هو سبب تجدُّد الصراع في ليبيا، من خلال محاولته السيطرة على العاصمة طرابلس.

وتشنّ قوات حفتر، التي تُطلق على نفسها اسم «الجيش الوطني الليبي»، مدعومة من الإمارات، هجوماً متعدد الجهات على العاصمة، في محاولة للإطاحة بحكومة الوفاق الوطني المتمركزة في طرابلس، وفقاً للصحيفة.

وجرى شنّ هجوم جوي على العربات العسكرية التابعة لمعسكر النقلية التابع للمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني.

ويُعتقد أنَّ لحفتر قوات جوية متفوقة، منحتها له الإمارات، حسب الصحيفة البريطانية.

والدعم المصري والإماراتي لحفتر مكَّنه من حسم معركة الهلال النفطي من قبل

والدعم المصري والإماراتي لحفتر كان حاسماً في مواقف خطيرة بالنسبة للجنرال المتقاعد.

إذ سبق أن حسم سلاحا الطيران الإماراتي والمصري معركة الهلال النفطي لصالح حفتر، حسب موقع «ميدل إيست آي» البريطاني.

وقالت صحيفة «نيويورك تايمز الأمريكية في ذلك الوقت، إن أربعة مسؤولين أمريكيين بارزين أكدوا أن مصر والإمارات قامتا بغارتين جويتين سراً ضد الميليشيات المتحالفة مع الإسلاميين، الذين كانوا يقاتلون للسيطرة على طرابلس، أما مصر والإمارات فأنكرتا تدخل بلديهما في ليبيا».

ويورد تقرير الموقع البريطاني حالات قصف مجهولة متعددة، نفت قوات حفتر مسؤوليتها عنها، ووجَّهت أصابع الاتهام فيها لمصر والإمارات.

ويكشف التقرير أن «الإمارات قامت بنشر 8 طائرات (إير-تراكتر) و3 طائرات دون طيار في قاعدة الخادم الجوية، ونشر مقاتلو مجلس شورى المجاهدين صوراً لما قالوا إنها قنبلة أمريكية تستخدمها الطائرات الإماراتية.

وفي الواقع كانت القنبلة من نوع (أم كي-82) تركية الصنع، وقد تكون أول الأدلة على مشاركة طائرات (إير تراكتور) في القتال في ليبيا، وهي طائرة هجوم خفيفة، وتستخدم بشكل أساسي للتجسس، ويمكنها استخدام القنابل الموجهة».

ونشر مجلس شورى المجاهدين معلومات عن غارات استخدمت فيها طائرات (إيه تي-802) 13 مرة، وطائرات (وينغ لونغ) 41 مرة في عمليات قصف، وهو ما يساوي 85% من عمليات القصف على بنغازي، في أكتوبر/تشرين الأول 2016، وتم تنفيذ 44 غارة جوية في قنفودة، كان منها 23 غارة إماراتية، بحسب مجلس شورى المجاهدين.

ويشير التقرير إلى أنه: «يتم تشغيل الطائرات الإماراتية عن طريق مرتزقة يعملون لصالح مؤسس شركة (بلاكووتر)، والمدير التنفيذي السابق لها إريك برنس».

وحتى روسيا لها يد في دعمه

إضافة إلى الدعم المصري والإماراتي لحفتر، فثمة قلق متزايد أيضاً في واشنطن حول الدور الروسي في ليبيا.

إذ اتهمت مصادر دبلوماسية مؤخراً موسكو بنشر ما يصل إلى 300 من المرتزقة في شرقي ليبيا دعماً لحفتر، حسب صحيفة The Guardian.

ولدى روسيا علاقات قوية بحفتر، التي تأمل أن تراه بديلاً للقذافي، حليفها التقليدي الذي فقدته.

وسبق أن زار حفتر في عام 2017 حاملة الطائرات الروسية «أدميرال كوزنيتسوف» في البحر المتوسط، فيما مثَّل إشارة واضحة على دعم روسيا لحفتر، الذي يعارض الحكومة الليبية المدعومة من الأمم المتحدة.

وكانت الحاملة الروسية قُبالة السواحل الليبية في طريق عودتها للوطن، بعد نهاية مهمة دعم للقوات الحكومية السورية.

وبينما كان حفتر على متن الحاملة، أجرى اتصالاً بالفيديو مع وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، حسبما قالت وكالة الأنباء الروسية «ريا»، نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية.

ونقلت الوكالة عن وزارة الدفاع الروسية قولها، إن حفتر وشويغو «ناقشا قضايا عاجلة في الحرب ضد جماعات الإرهاب الدولي في الشرق الأوسط».

وأجرى حفتر جولةً على متن الحاملة، حسبما قالت وسائل الإعلام الروسية.

وتقارن بعض الجهات بين دعم روسيا لحفتر، الذي ينظر إليه بعض الليبيين بوصفه الرجل القوي الذي تحتاجه بلادهم بعد سنوات من الفوضى، وبين دعم روسيا للرئيس السوري بشار الأسد.

واستخدمت روسيا مؤخراً حقَّ النقض «الفيتو«، لمنع مجلس الأمن من إصدار قرار يطالب حفتر بوقف هجومه على طرابلس.

ولكن رغم كل هذا فإن المراقبين لا يتوقعون له النجاح

الحسم لن يكون سهلاً في المنطقة الغربية إلا بدعم دولي كبير لأحد الأطراف،  وهو أمر غير موجود؛ نظراً للمعارضة الدولية والإقليمية للخيار العسكري، يقول  أستاذ العلاقات الدولية والسياسات المقارنة في جامعة شمال تكساس إبراهيم هيبة.

كما أن القوى الأمنية الليبية لا يُستهان بقوتها وقدرتها على التصدي لحفتر وقواته، وفقاً لأستاذ العلاقات الدولية.

وبحسب باتريك وينتور، محرر الشؤون الدبلوماسية في صحيفة The Guardian، فإن حفتر الذي تقف ميليشياته الآن على أبواب طرابلس العاصمة، يسعى إلى فرض شكل من أشكال الحكم العسكري في أنحاء البلاد.

ويرى أن «الميليشيات التابعة لحفتر، التي يُطلق عليها اسم الجيش الوطني الليبي، تؤكد بهجومها على طرابلس أنَّها حفرت قبرها بيدها».

ويتابع الكاتب أن حفتر سعى في عام 2014 إلى السيطرة على طرابلس، لكنه فشل ولم ينجح إلا جزئياً، بعد أن تمكن من السيطرة على بنغازي.

وتعتمد آمال عقد هدنة على ضغط غربي حاسم، يفرض على مؤيدي حفتر الدوليين، لاسيما مصر والسعودية والإمارات، لإصدار أمر لحفتر بالتراجع. وكان حفتر يطالب بأن يُنصَّب قائداً للجيش الليبي على نحو حر من السلطة السياسية.

وزعم فايز السراج رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً أنه قدَّم تنازلات كبيرة فيما يخصُّ الهيكل السياسي المستقبلي لليبيا، في محادثات أخيرة مع حفتر، لكنَّ حفتر خان تلك الاتفاقات.

من أين جاء بكل هذه الجرأة.. الجيش الذي كان يردعه مشغول بأزماته الداخلية

الدعم المصري والإماراتي لحفتر ليس أمراً جديداً، ولكن الجديد أن الجيش العربي الذي كان يردع حفتر عن المغامرة مشغول بأزماته الداخلية.

ففي حين كان الجميع في المنطقة منشغلاً بتطورات الوضع السياسي في الجزائر، عقب استقالة بوتفليقة، أعلن حفتر التقدم غرباً بغية السيطرة على طرابلس في قرار فاجأ الكثيرين، وجعلهم يتساءلون عن علاقة قرار حفتر بما يجري في الجزائر.

الجانب الليبي المؤيد لحفتر يقول إن التقدم غرباً كان مبرمجاً مسبقاً، وتزامن فقط مع استقالة بوتفليقة، بينما يردّ كثير من الجزائريين قائلين: إن الوضع في الجزائر عجَّل تقدم حفتر غرباً، وأن التقدم كان بإيعاز من بعض الدول الخليجية التي أزعجها الحراك الجزائري، حسبما يقول مراقبون جزائريون.

ورغم أن حفتر يقدم نفسه باعتباره امتداداً لما يطلق عليه صحوة الجيوش العربية، في مواجهة القوى الثورية والديمقراطية والإسلامية (يحلو لأنصار حفتر لاختزال كل مَن يعارضه في مصطلح الإرهابيين)، فإن الجنرال المتقاعد لديه علاقة متوترة مع الجيش الجزائري.

فلقد سبق أن هدَّد بنقل الحرب إلى الجزائر وهدَّد جيشَها

ففي حين يرحب حفتر وأنصاره بالتدخل المصري الإماراتي الذي يعلمه الجميع، فلقد سبق للجنرال الليبي المتقاعد أن اتَّهم الجيش الجزائري بالاعتداء على سيادة ليبيا، علماً أنه ليس هناك معلومات مؤكدة عن تدخل مباشر للجيش الجزائري داخل الأراضي الليبية.

وفي سبتمبر/أيلول 2018، اتَّهم حفتر الجيش الجزائري باستغلال وضع الحرب للدخول إلى الأراضي الليبية، وزعم أنه نقل للسلطات الجزائرية احتجاجه على ذلك.

وقال إن «سلوك الجزائر ليس سلوك إخوة، لأنها تستغل الحرب لانتهاك السيادة الليبية»، وبعث مع المبعوث رسالة مفادها أنه «قادر على تحويل الحرب من ليبيا نحو الجزائر في لحظات».

وكشف حفتر أن «السلطات الجزائرية اعتبرت ذلك فعلاً معزولاً ولن يتكرر».

والجزائر منعته من الدخول ببزته العسكرية، لأنها لا تعترف به

وفي 18 ديسمبر/كانون الأول 2016، مُنع من دخول الجزائر ببزته العسكرية كون الجزائر لا تعترف به قائداً للجيش الليبي، وتعترف فقط بسلطة المجلس الرئاسي.

وبعد ذلك بعام، وتحديداً في مايو/أيار 2017، انتقد حفتر وزير الخارجية الجزائري عبدالقادر مساهل، بسبب زيارته لعدة مناطق ليبية، التقى خلالها قيادات سياسية وعسكرية ومدنية وأعيان القبائل. حينها دفع حفتر رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي في البرلمان الليبي إلى إصدار بيان، وصف فيه جولة مساهل على أنها «تجاوز وانتهاك فاضح لسيادة الدولة الليبية».

وأعرب المراقبون الجزائريون آنذاك عن اعتقادهم أن حفتر أراد من خلال تصريحه تمرير رسائل سياسية لأطراف إقليمية وعربية، يزعجها ما تقوم به الجزائر من جهود لحل الأزمة الليبية سياسياً، ورفضها لأي تدخل عسكري (في إشارة لمصر والإمارات على الأرجح).

والجزائريون يعتبرون أن هجوم حفتر يستهدف حراكهم

وأثار إعلان خليفة حفتر شنَّ هجوم عسكري على العاصمة الليبية طرابلس، توجساً لدى جزائريين، كان ظاهراً في تعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي وحتى في وسائل إعلام محلية، وذلك بسبب تزامنه مع الحراك الشعبي الذي تشهده البلاد منذ فبراير/شباط الماضي.

واعتبر صحفيون ونشطاء جزائريون، أن رغبة حفتر في السيطرة على طرابلس في هذا التوقيت بالذات «ليست بريئة»، «وأهداف تحرُّكه تتجاوز الداخل الليبي».

وقال مدير مركز الدراسات والأبحاث حول العالم العربي والمتوسط بمدينة جنيف السويسرية، الجزائري حسني عبيدي، إن «هجوم حفتر على طرابلس في هذا التوقيت مقلق جداً»، ويأتي «في وقت دخلت الجزائر فيه مرحلة دقيقة تستدعي تأميناً خارجياً لمواكبة مرحلة الانتقال الديمقراطي».

وأضاف أن «العملية العسكرية غير المحسوبة العواقب التي باشرها حفتر على طرابلس لها تداعيات خطيرة على الحدود مع تونس والجزائر، وتفرض أعباء جديدة على المؤسسة العسكرية في البلدين».

فيما اعتبر صحفيون جزائريون أن هجوم حفتر على طرابلس، بالتزامن مع الأسبوع السابع من الحراك الشعبي السلمي «مؤامرة بالتنسيق مع فرنسا، من أجل إرباك الجيش الجزائري»، ويستهدف الحراك الشعبي الجزائري.

والآن أطبق الصمت على الجيش الجزائري

ولكن اللافت أن موقف الخارجية الجزائرية جاء أقل قوة من المتوقع.

فرغم المواقف السلبية لحفتر فإنها اكتفت بالإعراب عن قلقها إزاء تفاقم الوضع في ليبيا، عشية مؤتمر المصالحة بين الليبيين، وقالت إن «الجزائر تتابع بقلق بالغ التطورات الأخيرة في ليبيا، وتدعو جميع الأطراف إلى الحكمة».

ويبدو موقف الجزائر، التي يحكمها فعلياً في الوقت الحالي الجيش أقربَ لموقف دولة بعيدة عن لييبا، وليس دولة تربطها حدود تقارب الألف كليومتر مع البلد الذي يوشك أن يسيطر على عاصمته رجل سبق أن هددها بالحرب.

الأمر الذي يثير تساؤل: هل الموقف الجزائري الرسمي الضعيف نابع من الارتباك السائد في البلاد، أم أنه موقف مقصود مرتبط بتغير السياسات الجزائرية.

ولكن لماذا تختلف نظرة مصر والجزائر للوضع في ليبيا؟  

تقليدياً، تدعو الجزائر إلى تقريب وجهات نظر الفرقاء الليبيين، وتشجيع الحوار الشامل والمصالحة الوطنية بينهم، وهو ما يزعج حفتر، الذي يعمل على تكريس الرؤية المصرية والإماراتية والفرنسية للأزمة بإقصاء الإسلاميين وحكومة طرابلس من جهود الحوار والمصالحة الوطنية.

 وهو الأمر الذي كانت ترفضه بشدة الجزائر، كما ترفض الحل العسكري للأزمة الليبية، بحسب ما ورد في تقرير لمعهد واشنطن.

ويتمايز الموقف الجزائري من ليبيا عن الموقف المصري بناء على أمرين أساسيين:

الأول أن الجزائر ليس من مصلحتها أن يحكم ليبيا طرف أو شخص محسوب بشكل كامل على نظام الرئيس السيسي في مصر، علماً أن العلاقات بين القاهرة والجزائر ليست سيئة على الإطلاق، ولكن ليس معنى ذلك أن تقبل الجزائر هيمنة مصر والإمارات على ليبيا.

أما الدافع الثاني الذي يؤدي إلى التمايز بين البلدين، فهو موقفهما من التيار الإسلامي، ومن الديمقراطية.

السر يكمن في تباين موقفي السيسي وبوتفليقة من الإسلاميين

الجزائر في عهد الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة لا تريد للإسلاميين الوصول للحكم، بعد تجربتها بإقصائهم إثر فوزهم في الانتخابات التشريعية التي جرت في مطلع التسعينات، وأعقبها حرب أهلية مدمرة يطلق عليها العشرية السوداء.

ولكن بوتفليقة، الذي قاد المصالحة الوطنية في البلاد، كان لا يريد وصول الإسلاميين للحكم، ولكن لا يريد في الوقت ذاته إقصاءهم عن الحياة السياسية، والاجتماعية، كما يسعى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي.

وبحسب ما قاله مصدر مطلع لـ «عربي بوست» فإنه في هذا الإطار، فإن بوتفليقة كان اتفق مع رئيس حزب النهضة في تونس راشد الغنوشي على عدم فوز الحزب بالأغلبية في الانتخابات العامة الأخيرة، بما يضمن هذه الرغبة الجزائرية وعدم إقصاء الإسلاميين في الوقت ذاته.

وسبق أن قال الغنوشي في مقابلة تلفزيونية، إن الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة رفض طلب الرئيس عبدالفتاح السيسي، بإدراج الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية.

وأضاف «الغنوشي»: «حاول السيسي أن يُقنع الرئيس بوتفليقة بإدراج الإخوان في الجزائر على أنهم جماعة إرهابية، فردَّ عليه بالقول إن هؤلاء يحكمون معنا، ويشاركوننا في الحكم».

وبعد رحيل بوتفليقة.. هل غيَّر الجيش الجزائري موقفه من حفتر والإسلاميين؟

ولكن هذه المعادلة التي حكمت موقف الدولة في الجزائر من الإسلاميين ومن الديمقراطية مرشحة للتغير، مع تزايد الحراك الجزائري.

إذ يجد المسؤلون في الجزائر، ومن بينهم قادة الجيش مع تصاعد الحراك، أن مصلحتهم أن يصطفوا مع الحزب المعادي للديمقراطية والإسلاميين في العالم العربي، الممثل في مصر والإمارات والسعودية، والذي يبدو أنه يدعمهم في مواجهة مطالب الحراك الشعبي أكثر من أي طرف آخر.

الدول الثلاث تريد للدولة الاستمرار.. ولذا الجيش يصمت عن تقدم الرجل الذي أهانه

وفي هذا الإطار يقول جورجيو كافيرو، الباحث الأمريكي المتخصص بالشأن الخليجي، في مقالة نشرها بموقع Lobe Log الأمريكي، على الأرجح فإنَّ القيادة في الرياض تأمل الآن أن تظلَّ «الدولة العميقة» في الجزائر (أي الجيش الجزائري، والأجهزة الأمنية، وأقطاب رجال الأعمال) في السلطة، في البلد المغاربي.

وتماماً مثلما دعمت السعودية الجيش الجزائري عام 1992، بالمساعدات المالية ستحاول القيادة في الرياض على الأرجح مساعدة السلطات الجزائرية في الحفاظ على قبضتها على البلاد، خصوصاً في أعقاب الاستقالة المُعلَنة أخيراً للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة.

ومن هنا تبدو مخاوف النشطاء الجزائريين من أن تأثير غزوة حفتر لطرابلس على الحراك الجزائري مفهومة، والأهم يبدو أن صمت الجيش الجزائري على تقدم الرجل الذي سبق أن أهانه مفهوم أيضاً.

والأمر لا يقتصر على المخاوف من الحراك.. الإمارات اخترقت النخب الجزائرية

ولكن يبدو أن الأمر لا يقتصر على تطابق مخاوف الجيش الجزائري وحكام الإمارات ومصر والسعودية من الحراك الشعبي في الجزائر.

فهناك مؤشرات على تزايد النفوذ المالي الإماراتي في الجزائر، قبل اندلاع الحراك.

إذ قال موقع «Mondafrique» (موقع فرنسي استقصائي وللرأي) إن الإمارات ذات الروابط المالية القوية بجماعة السلطة في الجزائر؛ تتحرك بشكل مكثف خلف الكواليس للتشجيع على إرساء نظام في الجزائر، على غرار النظام المصري الحالي.

وأوضح كاتب المقال نيكولا بو (المدير الناشر للموقع) أن بنوك دولة الإمارات أضحت في السنوات الأخيرة «خزائن سرية» للعديد من القادة العرب والأفارقة، بسبب تحول هذه البنوك إلى ماكينة هائلة لتبييض الأموال القذرة.

وقال إن الإماراتيين يلعبون دوراً مُزعزعاً في الأزمة التي تمر بها الجزائر حالياً، ولكنه حاسمٌ؛ وذلك بفضل علاقاتهم الوثيقة مع حاشية الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة، وكذلك مع قائد الأركان أحمد قايد صالح.

وشدَّد نيكولا بو، على أن هدف الإماراتيين الوحيد هو كبح الحركة الاجتماعية التي تجتاح الجزائر هذه الأيام، والعمل على إرساء نظام متسلط، كنظام عبدالفتاح السيسي في مصر، التي ساهمت بقوة في إرسائه.

وفي هذا السياق، حصل الإماراتيون، الذين يمتلكون استراتيجية ثابتة للاستيلاء على عدة موانئ في أنحاء العالم، في وقت قياسي، على حقوق إدارة ميناء الجزائر، رغم أهميته الاستراتيجية.

كما تم إسناد الجزء الأهم من سوق التبغ في الجزائر إلى رجل الأعمال الإماراتي محمد الشيباني، المقرب من ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، الذي يتردد كثيراً على الجزائر.

والآن قايد صالح يتحكم بالملف الليبي بعدما تعززت صلات الجيش الجزائري بالإمارات

كما أن قائد الجيش الجزائري الجنرال أحمد قايد صالح هو الآخر من زبائن البنوك الإماراتية، حسب الكاتب.

ويتحكم صالح في ميزانية التسلح الضخمة المقدرة بـ11 مليار دولار سنوياً.

وكانت الإمارات حاضرة ضمن مشروع تعاون بين الجيش الوطني الجزائري ومجموعة مرسيدس بينز الألمانية، لإنتاج عربات مصفحة «نمر».

كما أبرمت مجموعة «توازون» الإماراتية اتفاقيةً مع مجموعة Epic-Gpim الألمانية، للنهوض بالصناعات الميكانيكية، وذلك ضمن مشروع جزائري- ألماني لدعم الصناعات الميكانيكية داخل وزارة الدفاع الجزائرية.

ويعتقد أن قايد صالح أصبح مخولاً بشكل منفرد بالتعامل مع الملف الليبي، بعد «إنهاء مهام» اللواء عثمان طرطاق، منسّق المصالح الأمنية في رئاسة الجمهورية، ووضع هذه المصالح «تحت وصاية» وزارة الدفاع.

وكان لافتاً أن آخر زيارات قايد الصالح للإمارات تمت في 16 فبراير/شباط 2019.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: حقوق المادة محفوظة ممنوع النقل