مذبحة سربرنيتسا: صور تُعرض لأول مرة لعشرات الفارين بعد وقوع مذبحة سربرنيتسا قبل 23 عاماً “عربي بوست”

آخر تحديث : الجمعة 13 يوليو 2018 - 9:06 مساءً
مذبحة سربرنيتسا: صور تُعرض لأول مرة لعشرات الفارين بعد وقوع مذبحة سربرنيتسا قبل 23 عاماً “عربي بوست”
عندما سألنا المصوّر عن سبب عدم نشره الصور قال “لا أعرف السبب!”

نحن الآن في 12 يوليو/تموز 1995، ببلدية «كلادان» التابعة لمنطقة «رافني» في البوسنة، على بُعد 10 كيلومترات من سربرنيتسا، وتحديداً في وادي نهر «دريناتشا» بالطريق بين «كلادان» و»فلاسينيتسا».

«البوسنة والهرسك» دولة صغيرة ربما لم يسمع بها أحد قبل عام 1993، وبفضل الحرب صار الجميع يعرف أن هناك أناساً يتعرضون لحصار خانق لم يترك لهم كسرة خبز، عمليات قتل معدة مسبقاً، وإبادات جماعية متتالية ولا أحد يتحرك.

القناصة منتشرون على قمم التلال الخضراء الجميلة، قصفٌ مدفعيٌّ عنيفٌ لا يُبقي ولا يذر، يستهدف العاصمة «سراييفو»، ولا مفر للمدنيين.

«سربرنيتسا» أو «أرض الفضة»، لم تكن الإبادةَ الجماعية الوحيدة التي تعرض لها مسلمو البوسنة، سبقها الكثير على مدار 3 سنوات ونصف السنة هي مدة الحرب الدامية، لكنها حظيت بالقدر الأكبر من الشهرة.

ننشر مجموعة صور لأول مرة منذ 23 عاماً، توثق لنا آلام النزوح في زمن الحرب، قرر نشرها صحافيٌّ بوسني ومصور حروب، كان يعمل في الجيش البوسني الذي تشكَّل في أعقاب اعتداء قوات صرب البوسنة والقوات الصربية على دولة البوسنة والهرسك حديثة الاستقلال حينها.

في أيام المذبحة، وبعد أن منع الهولنديون اللاجئين من الاحتماء بهم، بدأ الصرب في التقاط الفتيات واغتصابهن والتقاط الرجال وقتلهم

«التُقطت هذه الصور خلال الفترة من 12 حتى 17 من يوليو/تموز 1995 بعد سقوط سربرنيتسا مباشرة»، يقول دراكوفيتش.

شمس الدين دراكوفيتش كان في لواء يدعى «بودرينا» الأول الإسلامي لحظة وصول هؤلاء النازحين إلى الأراضي المحررة البوسنية، لديه الكثير من القصص يرويها عن «سربرنيتسا»، لكن اللغة لم تسعفه فهو لا يتحدث سوى لغته الأم البوسنية.

فقد المصور البوسني عدداً كبيراً من أصدقائه ومعارفه وجيرانه، وبعد مرور كل هذه السنوات طلب نشر الصور، ويقول: «من دون نشر الصور وتوثيقها ستكون كأنها لم تكن».

لم يفكر المصور البوسني في أن ينشر الصور بأي وسيلة إعلامية، ويعلق على هذا الأمر قائلاً: «لا أعرف السبب!».

في تحقيق لنيويورك تايمز، وصف أحد الناجين مقتل الأطفال واغتصاب النساء الذي يحدث على مقربة من قوات حفظ السلام

ما عمّق من الفاجعة كان وقوع سربرنيتسا في نطاق قوات حفظ السلام، ففي أبريل 1993، أي قبل أكثر من عامين من المذبحة، أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قراره رقم 819 والذي يطالب «كل الأطراف المعنية بالتعامل مع منطقة سربرنيتسا وما حولها على أنها منطقة آمنة يجب أن تبقى بعيدة عن أي هجمات مسلحة أو أي عمل عدائي آخر».

وبعد ذلك وصلت مجموعات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وتم التوصل في مايو من نفس العام بإخلاء سربرنيتسا من الأسلحة، وهو ما وافق عليه سفر خليلوفيتش، الجنرال البوسني، وراتكو ملاديتش، القائد في الجيش الصربي، والذي عُرف لاحقًا في الإعلام الغربي باسم جزار البوسنة.

وفقًا لأحد الناجين، لم تستطع أم أن تسكت رضيعها عن البكاء، فأمرها جندي صربي أن تفعل بالقوة، ولما لم تستطع، أخذ الصربي الرضيع وشق حلقه وهو يضحك

بمقتضى هذا الاتفاق كان على المسلحين البوشناق (شعب البوسنة) أن يسلموا أسلحتهم لقوات الأمم المتحدة، وأن ينسحب الصرب من هذه المناطق بقيت عدة كتائب من الجيش البوسني غير مسلحة وغير منظمة في المنطقة، فيما رفضت القوات الصربية إخلاء المناطق المحيطة من الأسلحة أو تسليم معداتها.

بدأ الوضع في الاختلاف في أوائل العام 1995، فقد أصبح وصول قوافل الإمداد والمساعدة أكثر صعوبة من ذي قبل، وهو ما أدى لحالة من التدهور بشكل عام، ظهرت في انتشار الجريمة وانعدام القانون وزيادة العنف، أما جنود الكتيبة الهولندية التي كانت مسئولة عن حماية المنطقة فقد تم تقليص عددهم عبر عدم السماح لمن حصلوا على أجازات بالعودة مرة أخرى، وانخفض عددهم من 600 إلى 400 جندي، كما أنهم أُجبروا على القيام بدورياتهم في المنطقة سيرًا على الأقدام، بسبب انخفاض حصصهم من الطعام والوقود والذخيرة، وفي مارس وأبريل من نفس العام، تزايدت أعداد الجنود الصرب بالقرب من حدود المنطقة.

نتيجة لمفاوضات الأمم المتحدة مع الصرب، تم ترحيل 25 ألفًا من نساء سربرنيتسا إلى الأراضي التي تسيطر عليها الحكومة البوسنية، لكن بعض الحافلات لم تصل أبدًا.

في مارس 1995 أصدر رئيس جمهورية صربيا «رادوفان كارادزيتش» توجيهاته باعتماد استراتيجية طويلة الأمد لجيش صرب البوسنة، الأوامر التي عرفت باسم «التوجيه 7» تنص أن على جيش الصرب أن «يستكمل الفصل الكامل لسربرنيتسا، وأن يمنع التواصل بين الأفراد بين سربرنيتسا وخارجها، وأن يخلق وضعًا لا يُحتمل من انعدام الأمن بشكل كامل وتهديد حياة سكان سربرنيتسا وزرع اليأس في نفوسهم من البقاء على قيد الحياة بالأساس».

وبحلول منتصف 1995 كان الوضع الإنساني للمدنيين والعسكريين من مسلمي البوسنة قد وصل إلى حد كارثي، وصدرت مناشدات بإعادة فتح ممر إنساني للقطاع المحاصر، وعندما فشل ذلك، بدأ المسلمون في البوسنة في الموت جوعًا!

يوم الجمعة، السابع من يوليو 1995، ذكر رئيس بلدية سربرنيتسا أن 8 من السكان قد ماتوا جوعًا.

هذا الرجل هو أحد رجلين يظهران في صور دراكوفيتش، فقد قتل الصرب كل ذكر رأوه أكبر من 14 سنة

في 9 يوليو، وبدافع من نجاحاتهم المستمرة، ومع اختفاء رد الفعل الدولي، أصدر رئيس جمهورية الصرب أوامره لـ 1500 جندي صربي بالاستيلاء على سربرنيتسا.

في صباح 10 يوليو، كان الوضع شديد التوتر في سربرنيتسا، السكان يزدحمون في الشوارع، وقوات الحماية الهولندية لم تفعل شيئًا سوى إطلاق طلقات تحذيرية فوق رؤوس الصرب المهاجمين، ولم تطلق أي قذيفة أو طلقة مباشرة تجاه أي من الوحدات الصربية.

قوات الناتو أوقفت عمليات قصفها الجوي بسبب تهديدات الصرب بقتل القوات الهولندية والرهائن الفرنسيين، وقد كان الصرب قد اختطفوا طيارين فرنسيين، وهو ما كان يتفاوض عليه ملاديتش مع جانفيير سابقًا.

قال الجنود الهولنديون إنهم كانوا يسمعون عشرات الطلقات في الساعة طوال ما بعد ظهر يوم 13 يوليو، ومن مشاهدات أخرى، فإن الجنود كانوا يعدمون الرجل البوسني المسلم بطلقة واحدة في الرأس، وهذا يعني عشرات الإعدامات في الساعة الواحدة

أغلب الصور لنساء وأطفال وكبار السن، تظهر على وجوههم علامات الخوف والقلق من مصير مجهول لزوجٍ وأخ وابن وأب.

النساء يحملن على ظهورهن الصغارَ والقليل من متاعهن، وما قد يُبقيهن على قيد الحياة.

وجوه متعبة.. وعيون زائغة.. ونفوس مضطربة.. وكل ما يهم هو لقاء «الحبيب» الذي أُبعد عن أهله ونُقل إلى مناطق بعيدة، قالوا حينها إنهم سيذهبون لمهام قتالية، والحقيقة هي أنهم ذاهبون لأماكن الإعدامات.

كانت «هولوكوست» بحقِّ رجال وفتيان البوسنة بكل ما للكلمة من معنى، لكنها بحق المسلمين هذه المرة.

آلاف الرجال البوسنيين حاولوا الفرار إلى المناطق التي تسيطر عليها الحكومة البوسنية، الرجال شكلوا ما يُعرف بـ”عمود الرجال البوشناق” لكن ثلثهم فقط استطاعوا الوصول بعد أن قتل الصرب غالبيتهم

صرب البوسنة قرروا ألا يبقى في سربرنيتسا أحد من البوشناق وضمها إلى مناطق نفوذهم.

أكثر من 8000 رجل قُتلوا خلال 3 أيام، وهم معصوبو الأعين ومكتوفو الأيدي، بعد أن نزعوا عنهم أوراقهم الرسمية وأمتعتهم وأي شيء يدل على هويتهم.

ودفن الصرب الضحايا في مقابر جماعية بعد أن مزقوا الجثامين وحوَّلوهم إلى أشلاء، فبات التعرف عليهم من المستحيلات.

تقول ناجية إن جنديًا هولنديًا كان يسير في المنطقة ويرى الاغتصاب أمامه، بينما كان يضع سماعات الأذنين ولا يتفاعل على الإطلاق، وكذلك رأى الجنود الهولنديون من قوات حفظ السلام جميعًا

بفضل تحليل DNA، تم التعرف على هوية أكثر من 6 آلاف ضحية، والباقي في عداد المفقودين.

في 11 يوليو/تموز من كل عام، يتم دفن رفات كل من تم التعرف عليهم في النصب التذكاري لضحايا الإبادة الجماعية الذين قضوا في سربرنيتسا في مشهد مهيب، والقصة لم تنتهِ بعد.

2018-07-13 2018-07-13
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

هيئة التحرير
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE
error: Alert: CoAlert:موضوع محمي لا يمكن نسخه شكرا لتفهمكم !!ntent is protected !!