حادث الدهس في كندا: هكذا أنقذ مغربي أرواح مصابين في الحادث !!!

آخر تحديث : الإثنين 30 أبريل 2018 - 6:31 مساءً
حادث الدهس في كندا: هكذا أنقذ مغربي أرواح مصابين في الحادث !!!

أمْسَكْتُ بيديها، لكن الأوان كان قد فات. سيدة أخرى، على بعد أمتار قليلة، كانت ملقاة على الأرض، تعاني من نزيف شديد في الرأس، لحسن الحظ تم نقلها إلى المستشفى لتقديم الإسعافات الضرورية. في السماء كانت الهيلوكوبتر تُمشّط المنطقة، وكنت أَسْمَعُ الأنفاس من حولي تَتَعَالَى وألمحُ الخوف في العُيُونِ.. كأنها القيامة!”

لم يَكُنْ هذا المقطع الاستهلالي المُفعمِ بالأحاسيس المتناقضة مشهداً بُتر من فيلمٍ هوليوديٍّ، ولا قطعة تنتمي إلى ترنيمة إغريقية قديمة.. هي كلمات خرجت من فمه بتثاقل شديد، لأنه كان لا يزال تحت وقع الصدمة، فهو لم يصدق بعد انتصاره على الموت، قبل أسبوع فقط، عندما اعتلت شاحنة بيضاء رصيفا عند تقاطع طرق مزدحم شمال تورنتو بكندا، وقامت بدهس حشد من المشاة، وكان هو غير بعيد عن مكان الحادث، فقرر في عمل بطولي التدخل لإسعاف الضحايا الذين كانوا بالعشرات.

هي قصة مغربي احتفت به وسائل الإعلام الكندية والدولية بعد الدور الكبير الذي لعبه في إنقاذ عشرات المصابين، الذين سقطوا في عملية دهس، وقعت الأسبوع الماضي شمال تورنتو بكندا، وذهب ضحيتها 10 أفراد.

عبد الله مسعودي، المغربي المقيم بكندا منذ سنة 1999، درس بالولايات المتحدة الأمريكية وحصل فيها على الماجستر في العقار، وقبل ذلك كان قد تخرّج من المعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي، قبل أن يُقرِّر الإبحار صوب العالم الجديد ويخوض تجارب في بلاد “العم سام”.

وبعد سنوات قضاها بين مكاتب أمريكا وكندا أصبح إطاراً في وزارة السكنى والعقار بالحكومة الفديرالية الكندية، ومحللاً اقتصادياً معتمداً في مجال العقار والبناء، ورئيس جمعية “مغاربة تورنتو” منذ سنة 2011. كما يشتغل في العمل التطوعي، باعتباره عضواً في مدرسة ابن رشد للإدارة، التي تعنى بتعليم اللغة العربية ومقاصد القرآن للجالية المغربية بكندا.

آخر شيء كان يمكن أن يتوقعه مسعودي، في صبيحة يوم الاثنين الماضي، أن يتحول في يوم مشمس وهادئ، على عكس ما يجود به الطقس خلال شهر أبريل في كندا، إلى منقذ بعد وقوع حادث دهس على بعد أمتار قليلة من المكان الذي كان يوجد به. يقول مسعودي: “قضيت الفترة الصباحية كلها في المكتب، وخلال الاستراحة قررت أن أخرج للتنزه في أحد شوارع المدينة، يسمى”Young Streets” ، وهو واحد من أكبر الشوارع في العالم. كنت أنتظر تغير إشارة المرور، قبل أن أفاجأ بشاحنة بيضاء تعتلي الرصيف وتقوم بدهس حشد من المشاة، ثم تفر من الموقع عند تقاطع طرق مزدحم شمال تورنتو”.

“كان المنظر مهولاً: جثث مترامية في كل مكان، أشلاء هنا وهناك، سيدة فقدت نصفها الأسفل بالكامل، وشاب يصرخ بأعلى صوته قرب مكان الحادث: “belt” “belt” . كان يحتاج إلى حزام حتى يتمكن من إيقاف نزيف سيدة كانت ملقاة على قارعة الطريق”. لكن “مع الآسف توفيت السيدة قبل وصول سيارة الإسعاف”، يتابع مسعودي سرد تفاصيل ذلك اليوم الأسود.

وبينما كان هو يحاول إنقاذ المصابين، الذين ملأت دماؤهم الشارع، كانت سيدة أخرى في العشرينات مصلوبة على الأرض بعد أن تعرضت لإصابات خطيرة في الظهر، وقد حاول جاهداً أن يساعدها. في اللحظة نفسها كان شخص آخر في مقتبل العمر تملأ الدماء وجهه كأنه خرج لتوه من حرب طاحنة، فيما كانت سيدة أخرى على بعد ثلاثة أمتار ملقاة على الأرض، وكانت تعاني من نزيف شديد في الرأس. ولحسن الحظ تم نقلها إلى المستشفى لتقديم الإسعافات الضرورية، يحكي مسعودي.

في تلك اللحظة، كان سائق الشاحنة يشق الشارع الرئيسي للمدينة الكندية، وسوق بسرعة جنونية على الرصيف “صادما كل من يأتي في طريقه، وفي السماء كانت الهيلوكوبتر تتبع خطواته. كان الوضع سيئاً. سيدة تموت أمامي، حاولت وضع سترة على وجهها وأنا أردد في نفسي: “يا ربي مايكونش مسلم يا ربي”، لأننا لم نكن في حاجة إلى حادث إرهابي جديد يقف وراءه مسلم”.

ويحكي مسعودي أن “المنطقة التي وقع فيها الحادث جميلة وهادئة، تضم عدة محلات تجارية وفنادق قريبة من بلدية”North York” . كما توجد بالقرب من بعض المؤسسات الإدارية الحكومية، وتسكنها جاليات عالمية مختلفة، وهي منطقة قريبة من الطريق السيار الذي يقودك إلى مونتريال والولايات المتحدة الأمريكية، كما يلجأ إليها المغاربة لقضاء مصالحهم الإدارية”.

ويتابع: “لم يستهدف سائق الحافلة الكنديين فقط، بل كان من ضحايا الحادث أردني جاء ليزور ابنه في كندا وتوفي في مكانه. كما أن طالبة من كوريا، جاءت لتتابع دراستها، توفيت هي الأخرى بعدما تعرضت لإصابات بليغة في رأسها. وتوفيت أيضا سيدة متقاعدة كانت تهم بقضاء حوائجها في البنك المركزي”.

تعامل السلطات الكندية مع الحادث كان احترافياً، حيث سارعت إلى مكان “الجريمة”، وقامت بتطويقه بطريقة سريعة، وتم القبض على منفذ الهجوم بعد دقائق قليلة على وقوع الحادث، ولم تقع أي مفاجآت، إذ لم يكن أمام سائق الحافلة الذي دهس المارة إلا أن يسلم نفسه بعدما وجد نفسه محاصراً من قبل الشرطة، يقول مسعودي.

“لما عدت إلى العمل توصلت بعدة رسائل في بريدي الالكتروني يسألون عن وضعيتي بعد الحادث. كما تلقيت اتصالا هاتفيا من وزير كندي، بالإضافة إلى أنني تلقيت اتصالات من يهود وبوذيين اعترفوا بجميلي وبدوري الكبير في إنقاذ الناس لأنني كنت أصارع لكي يصل أكبر عدد ممكن من المصابين إلى المستشفى”، يروي مسعودي.

ويتابع المهاجر المغربي سرد شهادته قائلا: “بعد عودتي إلى مقر عملي دارت بخلدي عدد من الأفكار، وتراقصت في مخيلتي تساؤلات ومشاعر عديدة، أحسستها نتيجة حزن اجتاحني، لم أستطع أن أصدقها أو أستوعبها، وسألت نفسي: هل هذا ممكن؟”، قبل أن يضيف: “أول شيء دار بخلدي هو أن الناس كلهم سواسية كما قال الله، كلنا من لحم وعظم، كانت لحظات قاسية لا تقاوم، خاصة عندما تذكرت تلك الأمهات وصرخاتهن العالية، التي كانت تمزق هدوء المكان”.

عندما تذكرت تلك الأمهات وصرخاتهن العالية، التي كانت تمزق هدوء المكان”. 

عبد السلام الشامخ نشر في هسبريس يوم 30 – 04 – 2018

2018-04-30 2018-04-30
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

هيئة التحرير
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE
error: حقوق المادة محفوظة ممنوع النقل